بين أروقة المكاتب الأممية الفاخرة وشوارع المدن اليمنية المنهكة، تتجسد المفارقة الأكثر تعقيداً في المشهد اليمني. تحظى اليمنية المعترف بها دولياً بكامل الشرعية القانونية، وتمتلك مقعد اليمن في الأمم المتحدة، وتستقبل السفراء والبعثات الدبلوماسية بصفتها الممثل الوحيد للبلاد. لكن على الأرض، وتحديداً في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، تواجه هذه الحكومة أزمة ثقة شعبية غير مسبوقة.
فلم يعد الاعتراف الخارجي كافياً لمنحها الشرعية المحلية؛ إذ يرى المواطن اليمني أن الشرعية الحقيقية تولد من القدرة على إدارة الأرض، وتأمين العيش الكريم، وتقديم الخدمات، وهو ما عجزت عنه السلطة المتعاقبة على مدار سنوات الحرب والاضطراب.
السقوط الحر للعملة
يمثل الملف الاقتصادي المسمار الأخير في نعش الثقة بين الشارع والحكومة. يشهد الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة تدهوراً تاريخياً. هذا الانهيار القياسي انعكس فوراً على أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، التي ارتفعت إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين الذين يرزحون تحت خط الفقر.
أشارت تقارير البنك الدولي الصادرة حديثاً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لليمن واصل انكماشه المتتالي، مع توقعات بقاء معدلات النمو عند مستويات صفرية أو سالبة نتيجة توقف الصادرات السيادية وتراجع المساعدات الإنسانية الدولية.
في المقابل، تقف اللجنة الاقتصادية والبنك المركزي في عدن عاجزين عن تقديم معالجات نقدية حقيقية لوقف المضاربة بالعملة، واكتفت الحكومة ببيانات التنديد أو انتظار الودائع الخارجية الإقليمية التي تحولت إلى مسكنات مؤقتة لا تحل جذور الأزمة الهيكلية.
غياب الخدمات والرواتب
المفارقة المؤلمة لليمنيين تكمن في مقارنة الأوضاع المعيشية؛ فالمناطق التي تصنفها الحكومة بأنها محررة أو مستعادة، هي الاخري تعيش واقعاً خدمياً كارثياً.
تعاني العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة لها مثل تعز ولحج وحضرموت ومأرب من انقطاع شبه تام للتيار الكهربائي، لا سيما في فصل الصيف الخانق، ناهيك عن أزمات المياه المتكررة وتهالك البنية التحتية للصرف الصحي والصحة.
إلى جانب أزمة الخدمات، تبرز معضلة الرواتب التي باتت تُصرف بشكل متقطع وغير منتظم لموظفي القطاع العام والمتقاعدين. وفي بلد يعتمد فيه ملايين السكان على الأجر الحكومي كمصدر دخل وحيد، أدى تأخر الرواتب وتآكل قيمتها الفعلية بسبب التضخم إلى حالة من السخط الشعبي العارم واشتعال الاحتجاجات في الشوارع ضد الحكومة.
غياب القيادات عن واقع الأرض
من أكثر العوامل التي تذكي غضب الشارع اليمني هو إقامة معظم القيادات السياسية والمسؤولين الحكوميين، بما في ذلك الوزراء ووكلاء الوزارات وأعضاء البرلمان، خارج البلاد بصورة دائمة أو شبه دائمة. يطلق اليمنيون على هذه السلطة تهكماً اسم "شرعية الفنادق" أو "شرعية الخارج".
يرى المواطن الذي يعاني من انعدام الأمن والأزمات الاقتصادية الخانقة أن هناك انفصالاً تاماً بين معاناة الشعب ورفاهية المسؤولين في العواصم الإقليمية والدولية.
هذا الغياب الميداني أفقد الحكومة هيبتها وجعلها تبدو كأنها تدير شؤون البلاد عبر منصات التواصل الاجتماعي والبيانات الصحفية، دون احتكاك حقيقي بالواقع أو وقوف مباشر على الاختلالات الأمنية والإدارية في الداخل.
مجلس رئاسي متعدد الرؤوس والولاءات
حين تشكل مجلس القيادة الرئاسي، استبشر اليمنيون خيراً بإنهاء التشرذم وجمع القوى المناهضة لمليشيا الحوثي تحت مظلة واحدة. لكن بمرور الوقت، تحول هذا المجلس إلى ساحة لتنازع النفوذ وتضارب الأجندة السياسية والعسكرية.
فالمكونات المشكلة للمجلس تمتلك تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات، ولا تخضع لقيادة وزارة الدفاع أو الداخلية بشكل فعلي وصارم. هذا التباين السياسي والصدام الصامت بين الشركاء - شلّ قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مصيرية أو موحدة.
وبدلاً من توجيه الجهود نحو تحسين الاقتصاد أو حسم المعركة العسكرية، استُنزفت الطاقات في محاصصة الوظائف العامة والتعيينات الدبلوماسية، مما عمّق القناعة لدى الشارع بأن السلطة لا تملك مشروعاً وطنياً جامعاً، بل مشاريع فئوية متصادمة.
حصار الموارد السيادية
لا يمكن عزل تراجع أداء الحكومة عن الهجمات العسكرية الممنهجة التي شنتها مليشيا الحوثي على موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة باستخدام الطائرات المسيرة.
هذه الهجمات أدت إلى توقف كامل لصادرات النفط الخام، التي كانت تشكل أكثر من 70% من إيرادات الموازنة العامة للدولة والمصدر الرئيس للعملة الصعبة.
تسبب هذا الحصار الحوثي للموارد في خنق الحكومة مالياً، وعزلها عن مصادر تمويلها الذاتي. ومع ذلك، يرى الخبراء أن رد فعل الحكومة كان ضعيفاً ودبلوماسياً، ولم تتخذ خطوات حازمة بديلة لاستغلال الموارد الأخرى كالجمارك والضرائب بالشكل الأمثل، أو مكافحة الفساد المستشري في دوائرها لتقليص النفقات الكبيرة، مما جعل مبرر "توقف النفط" غير كافٍ لإعفائها من المسؤولية بنظر المواطنين.
الموقف الدولي
يدرك اليمنيون اليوم أن الاعتراف الدولي بحكومتهم هو اعتراف "قانوني بروتوكولي" تفرضه القرارات الأممية (مثل القرار 2216) ومصالح الدول الكبرى في الحفاظ على حد أدنى من النظام الشرعي للبلاد.
لكن هذا الاعتراف لا يترجم إلى دعم اقتصادي مباشر ومستدام ينعكس على حياة المواطن البسيط.
المجتمع الدولي يتعامل مع الملف اليمني كأزمة إنسانية تتطلب الإغاثة، بدلاً من دعم استقرار مؤسسات الدولة والبنك المركزي لتمكينه من السيطرة على الأسواق. ونتيجة لذلك، يرى المواطن أن هذا الاعتراف الدولي أصبح مجرد غطاء يستفيد منه مسؤولو الشرعية للحصول على الامتيازات الدبلوماسية، بينما يترك الشعب لمواجهة مصيره في بلد يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.
نقلا عن خبر للأنباء
التصنيف :
تقارير