في زمنٍ تتداخل فيه المفاهيم الدينية بالتوظيفات الأيديولوجية، وتُحاول فيه بعض الجماعات إلباس المحدثات السياسية لبوس القداسة الشرعية، يكتسب الخطاب الفكري المتزن أهمية استثنائية لفرز الحقائق عن الدعاية.
وفي هذا السياق، يبرز المقال التأصيلي لمعالي وزير الأوقاف والإرشاد، الشيخ تركي الوادعي، والذي وضع فيه "يوم الغدير" (في الثامن عشر من ذي الحجة) تحت مشرحة البحث العلمي والشرعي.
لا ينطلق الوزير في مقاربته من موقف سياسي عابر، بل يقدم قراءة تفكيكية عميقة تؤكد أن فرض هذه المناسبة كشعيرة عامة هو بدعةٌ مُحدثة لا أصل لها في النسيج التشريعي الإسلامي، فضلاً عن كونها تحمل في طياتها أبعاداً تُناقض جوهر الإسلام القائم على العدالة والمساواة.
وفي السطور التالية، نقرأ تحليلاً لأبرز المرتكزات التاريخية والشرعية التي استند إليها معاليه لدحض هذه المقولات.
*الوعي القطعي وإكمال الدين:*
يبدأ معالي الوزير تأصيله بالعودة إلى الثوابت القطعية للأمة، مستدلاً باستقرار الوعي الإسلامي على أن الله عز وجل قد أكمل هذا الدين وأتم النعمة قبل لحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، ومصداق ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. فالدين قد كمل بتمام البلاغ، والقول بوجود تشريعات أو أعياد مفصلية استُحدثت بعد ذلك أو أُخفيت، هو طعنٌ مبطن في كمال الرسالة وتمام النعمة.
*الجذور التاريخية للمناسبة:*
وفي تتبعه للجذور التاريخية، يستنطق المقال السير وسلف الأمة ليثبت غياب هذا العيد عن القرون الثلاثة المفضلة، حيث يطرح تساؤلاً منطقياً: لو كان الاحتفال مشروعاً لسبق إليه آل البيت أنفسهم؛ فلم يُؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا عن سبطي رسول الله الحسن والحسين، ولا عن بقية أئمة آل البيت الأطهار أنهم اتخذوا من هذا اليوم عيداً أو شعيرة.
وتؤكد المصادر التاريخية برمتها أن أول من ابتدع هذه المناسبة وأظهرها هو معز الدولة البويهي في بغداد سنة (352هـ)، كأداة سياسية لشق صف الأمة وصناعة شرعية متوهمة.
*تفنيد الاستدلال بحديث "المولى":*
وينتقل في خطابه إلى الجانب التفكيكي الأهم، وهو مواجهة المرتكز الحديثي للمروجين؛ حيث يضع استدلالهم بحديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» أمام ميزان البحث العلمي عبر خمسة أوجه منهجية تدحض توظيفه السياسي:
أولاً: أن السياق التاريخي والسببي للحديث جاء لرفع جفاءٍ وضغينة كانت في نفوس بعض الصحابة تجاه علي رضي الله عنه بعد قصة اليمن، فجاء اللفظ مبيناً لفضله ومكانته، لا مؤسساً لمنصب سياسي أو خلافة.
ثانياً: أن دلالة كلمة "المولى" في لغة العرب وسياق الآثار تأتي بمعنى: المحبة، والنصرة، والموالاة، وهي ضد المعاداة، ولا تأتي قط في لغة العرب بمعنى "الحاكم" أو "الأمير" أو "السلطان".
ثالثاً: لو كان المراد بالحديث نصاً جلياً على الخلافة، لما خفي ذلك على كبار الصحابة، ولما وسع علياً رضي الله عنه ترك الاستدلال به يوم "السقيفة" أو في مواطن الشورى.
رابعاً: أن النص على معاني الولاية والمحبة لعلي رضي الله عنه هو أمرٌ مشترك بين سائر المؤمنين بنصوص القرآن، كما في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
خامساً: تعارض القول بالحق الإلهي في الحكم مع الشورى التي أصلها القرآن الكريم وجعلها مبدأً أساسياً لإدارة شؤون الأمة في قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
*ميزان الكرامة وسقوط التمييز السلالي:*
ولا يفوت الوزير الوادعي التنبيه على الخطورة الجوهرية الكامنة وراء تحويل هذا الحديث إلى صك سياسي، محذراً من اتخاذه وسيلة لادعاء امتيازات سلالية تميز فئة من الناس على أساس العرق أو النسب.
لقد جاء الإسلام ليهدم معايير الجاهلية القائمة على المفاخرة بالأنساب والطبقية المقيتة، وجعل معيار التفاضل الوحيد هو الكسب الإنساني والأخلاقي المتمثل في التقوى والعمل الصالح، مستشهداً بقوله سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
يخلص المقال التحليلي لمعالي الوزير إلى رسم ملامح "الموقف الشرعي المتوازن"؛ حيث يرى أن وحدة الأمة تقتضي الوقوف بحزم ضد المحدثات والبدع السياسية التي تمزق النسيج الاجتماعي وتزرع الأحقاد، مع التأكيد على أن الموقف السوي هو توقير أهل الفضل وصالحي آل البيت الأطهار بالحب والنصرة، دون غلو يُخرجهم عن البشريّة، ودون جفاء ينتقص من قدرهم، ليظل الفضل يدور دائماً مع الإيمان والتقوى، وتظل الأمة مجتمعة على أصولها وجامعتها الكبرى.
التصنيف :
كتابات واراء