ما بين المخا وصنعاء: الجمهورية في مواجهة خرافة الولاية عادل الهرش



في مشهدٍ يختصر جوهر الصراع في اليمن، تزامنت بهجة العيد وفعاليات مهرجان موكا الرابع في مدينة المخا مع احتفالات مليشيا الحوثي في صنعاء بما يسمى "يوم الولاية". وبين هذين الحدثين، لا نقف أمام مناسبتين عابرتين، بل أمام مشروعين متناقضين: مشروع الجمهورية والنظام والقانون القائم على الحرية والمواطنة المتساوية ، ومشروع الكهنوت السلالي القائم على الخرافة والتمييز.

في المخا، لم يكن مهرجان موكا مجرد فعالية احتفالية، بل كان إعلانًا حيًا عن عودة الروح للدولة اليمنية. في هذه المدينةٌ العتيقة التي كانت يومًا بوابة اليمن إلى العالم، هاهي تعود اليوم لتكون رمزًا للحياة والانفتاح، ورسالة واضحة أن اليمن الجمهوري قادر على النهوض رغم الحرب والتحديات. هناك، حيث البحر والتاريخ، اجتمع الناس بلا قيود، احتفلوا بالعيد، وغنوا للحياة، وأكدوا أن الجمهورية ليست مجرد نظام حكم، بل هي هوية وطن وإرادة شعب. فالمخا اليوم تقول للعالم إن اليمنيين، حين يتحررون من قبضة المليشيا، يصنعون الفرح ويؤسسون لمستقبل مختلف.  

في المقابل، كانت صنعاء تعيش على إيقاع آخر؛ إيقاع مفروض بقوة السلاح، تُرفع فيه شعارات "الولاية" التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، بقدر ما تعيد إنتاج مفاهيم الاصطفاء السلالي واحتكار السلطة باسم الحق الإلهي. ما يسمى بيوم الولاية ليس سوى محاولة لشرعنة حكم الكهنوت والظلام والجهل والفقر والمرض ، وإعادة اليمن إلى عصور ما قبل الدولة، حيث يُختزل الوطن في سلالة، ويُقصى الشعب من حقه في اختيار من يحكمه.

إن أخطر ما في هذه المناسبة ليس طقوسها، بل الرسالة التي تحملها: تقسيم المجتمع إلى سادة وعبيد، وإلغاء مبدأ المواطنة المتساوية الذي قامت عليه الجمهورية اليمنية. إنها محاولة لطمس الهوية الوطنية، واستبدالها بهوية طائفية مغلقة، لا ترى في اليمنيين سوى رعايا، لا مواطنين.

بين المخا وصنعاء، يتجلى الفارق بوضوح: هنا شعب يحتفل بالحياة، وهناك عصابة تحتفي بالخرافة. هنا جمهورية تتنفس رغم الجراح، وهناك كهنوت يحاول فرض الموت على الحاضر والمستقبل.

المعركة اليوم لم تعد فقط عسكرية، بل هي معركة وعي وهوية. إما أن ينتصر مشروع الجمهورية الذي يساوي بين اليمنيين ويمنحهم حقهم في الحرية والكرامة، أو يُفرض عليهم مشروع الولاية الذي يسلبهم إنسانيتهم وحقوقهم باسم الدين زورًا وبهتانًا.

وفي الختام، ستبقى الجمهورية فكرة لا تموت، لأنها تعبر عن إرادة شعب، بينما ستسقط خرافة الولاية، لأنها قائمة على الوهم والقوة، وكل ما بُني على الباطل  فهو إلى زوال....
-----

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال