حين تحولت بعض المناصب إلى أدوات هدم للشرعية اليمنية. عادل الهرش



إذا كان الخطر الحقيقي على الدولة اليمنية هو العدو الحوثي الذي اقتحمها ونهب مؤسساتها، فذاك عدو مكشوف تُعرف نواياه وتُحشد له الطاقات لمواجهته.
لكن الخطر الأشد فتكاً يتمثل في أولئك الذين تسللوا إلى مفاصل الشرعية عبر المناصب، لا لبناء الدولة، بل لتقاسم غنائمها، وتحويل كيانها إلى إقطاعيات خاصة تخدم مصالحهم الضيقة.

لقد تحوّلت الشرعية، بفعل هذه القوى الحزبية والكيانات الانتهازية، من مشروع وطني لاستعادة الدولة إلى شبكة مصالح متشابكة، تُدار بعقلية المحاصصة لا بعقلية المعركة. كل حزب يبحث عن نصيبه، وكل كيان يحرس امتيازاته، بينما تتآكل الدولة من الداخل، وتُستنزف طاقاتها في صراعات جانبية لا علاقة لها بمعركة استعادة الجمهورية.

إن أخطر ما ارتكبته هذه الأطراف ليس فقط الفساد المالي أو الإداري، بل تعطيل معركة الحسم نفسها. فقد جرى تأخير المواجهة الحقيقية مع العدو الحوثي، ليس عجزاً، بل عن عن قصد، لأن استمرار الحرب دون حسم يضمن بقاء هذه القوى في مواقعها، ويمنحها شرعية الاستمرار والتمدد. وهنا تتحول الحرب من وسيلة لتحرير الدولة إلى أداة لإطالة عمر النفوذ.

لقد أُفرغت المؤسسات من مضمونها، وأصبحت مجرد هياكل شكلية تُدار من خلف الستار. القرارات لم تعد تُبنى على مصلحة وطنية، بل على حسابات حزبية ضيقة، أدت إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وتفكيك الثقة بين المواطن والشرعية وافراغها من مضمونها ومهامها. فالمواطن الذي كان ينتظر دولة تحميه، وجد نفسه أمام سلطة تتقاسم معاناته بدل أن تنهيها.

لقد اصبحت النتائج كارثية: فالعدو الحوثي يتمدد ولايزال يتسلط على شمال اليمن، والشرعية اليمنية اصبحت اليوم عاجزة و متواطئة في نظر كثيرين، ونزيف مستمر في الوقت والموارد والفرص. لقد خدم هذا الأداء المشوه المشروع الايراني في جنوب غرب الجزيرة العربية بشكل مباشر، حين منحته الوقت لإعادة ترتيب صفوفه، وتعزيز قبضته، وتحويل الانقلاب الحوثي إلى واقع معقد يصعب تفكيكه.

إن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بوجود هذه العقلية التي ترى في المنصب مغنماً لا مسؤولية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط ضد الحوثي، بل يجب ان تكون ضد الفساد السياسي الذي اخترق الشرعية، وضد تلك القوى التي اختطفت القرار الوطني وجعلته رهينة لمصالحها.

فإما شرعية وطنية تقود معركة حقيقية لاستعادة الجمهورية، أو بقاء هذا العبث الذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار، وتمكين اعداء اليمن الجمهوري اكثر وأكثر، حتى تضيع الدولة اليمنية وهويتها وشعبها بالكامل...

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال