تواجه مدينة تعز، العاصمة الثقافية لليمن وأكثر المدن كثافة سكانية، مفارقة إنسانية وتنموية صارخة ومؤلمة منذ اندلاع الحرب والحصار الإنساني الجائر المفروض عليها.
فبينما تتدفق مئات الملايين من الدولارات عبر منظمات دولية وأوروبية لدعم قطاع العمل الإنساني، تعيش المدينة تدهوراً كارثياً ومستمراً في كافة قطاعاتها الخدمية والصحية والتعليمية والتنموية.
هذا الوضع المأساوي يضع العشرات من منظمات المجتمع المدني المحلية، الشريكة للمنظمات الدولية، في دائرة الاتهام الشعبي والنقدي، حيث يرى السكان والناشطون أن التدخلات الإنسانية تحولت إلى مشاريع شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع، بينما تبقى الأزمات الهيكلية الكبرى التي تطحن حياة المواطن اليومية دون أي حلول جذرية أو مستدامة.
واقع مرير
عند التجول في شوارع مدينة تعز، يتضح حجم الدمار والانهيار الذي طال البنية التحتية بشكل لا يمكن للمشاريع الإغاثية المؤقتة إصلاحه.
تعاني المدينة من أزمة مياه خانقة وخلفية تاريخية معقدة تفاقمت جراء الحرب، حيث يضطر المواطنون إلى إنفاق مبالغ طائلة للحصول على مياه الشرب عبر الصهاريج التقليدية، في ظل عجز مؤسسة المياه المحلية عن تشغيل الشبكات وتأهيل الآبار المعطلة.
يمتد هذا الشلل الخدمي إلى قطاع الصرف الصحي والنفايات، مما يحول شوارع المدينة وأحياءها إلى بؤر للأوبئة والأمراض الفتاكة مثل حمى الضنك، والكوليرا، والملاريا.
هذه التحديات البيئية تضغط بشكل مباشر على القطاع الصحي المتهالك أصلاً، حيث تفتقر المستشفيات الحكومية لسرير المريض، وللأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وتعتمد بشكل كلي على الدعم الخارجي المتقطع لتشغيل مراكز الغسيل الكلوي أو أقسام الطوارئ، وهو دعم مهدد بالتوقف في أي لحظة.
التعليم في مهب الريح
لم يكن قطاع التعليم بمنأى عن هذا التدمير والقصور؛ فالمدارس الحكومية في تعز تعاني من اكتظاظ مرعب، حيث يتكدس عشرات الطلاب في فصول دراسية ضيقة ومحطمة تفتقر إلى المقاعد والوسائل التعليمية، بالإضافة إلى وجود مدارس لا تزال مدمرة جزئياً أو كلياً بفعل القصف. تبرز أزمة تأخر رواتب المعلمين وتردي أوضاعهم المعيشية كواحدة من أكبر العقبات التي تهدد بانهيار العملية التعليمية برمتها، مما دفع بالكثير من الكفاءات التدريسية إلى مغادرة المهنة للبحث عن لقمة العيش.
في المقابل، تكتفي المنظمات بتقديم تدخلات وصفت بالهامشية، مثل توزيع حقائب مدرسية أو تنظيم ورش عمل توعوية حول النظافة الشخصية وحقوق الطفل، وهي تدخلات تفقد قيمتها عندما يعجز الطالب عن إيجاد مدرسة آمنة، أو كتاب مدرسي، أو معلم مستقر نفسياً ومادياً ليقدم له العلم.
مشاريع شكلية وميزانيات تلتهمها النفقات التشغيلية
تتركز الفجوة الحقيقية في طبيعة المشاريع التي تختار المنظمات المحلية تنفيذها بتمويل أوروبي ودولي. يلاحظ المراقبون للشأن الإنساني في تعز تركيزاً مفرطاً على قطاعات الحوكمة، وبناء القدرات، والفنون والرسم، وتنظيم ورش العمل والندوات في قاعات الفنادق الفاخرة والمقرات المكيفة.
تستهلك هذه الأنشطة ميزانيات ضخمة تذهب النسبة الأكبر منها كمرتبات وبدلات سفر للخبراء والمنسقين، وإيجارات للمكاتب والسيارات الفارهة، بينما لا يصل للمجتمع المستهدف سوى الفتات.
يرى المواطن البسيط في تعز أن التدريب على مهارات إدارية أو إقامة جلسة استماع حول السلام لا توفر له فرصة عمل مستدامة، ولا تشتري له كيس دقيق، ولا تصلح الطريق الوعر والمكسر الذي يسلكه يومياً تحت الحصار، مما يولد شعوراً متزايداً بالإحباط وخيبة الأمل من جدوى العمل الإنساني القائم.
بين الإغاثة الطارئة والتنمية المستدامة حلقة مفقودة
تكمن الإشكالية الكبرى في فلسفة الدعم الدولي الموجه لليمن وتعز على وجه الخصوص، حيث لا يزال المانحون يتعاملون مع الأزمة بعقلية الإغاثة الطارئة طويلة الأمد، متجاهلين الانتقال الضروري نحو التمويل التنموي.
إن تقديم المساعدات الغذائية والنقدية المؤقتة المقترنة بجداول زمنية قصيرة، يخلق مجتمعاً اتكالياً وينتهي أثرها الإيجابي بمجرد انتهاء فترة المشروع التي لا تتجاوز في الغالب بضعة أشهر.
تفتقر الخطط الإنسانية في تعز إلى استراتيجيات تدعم الإنتاج المحلي، وتأهيل المصانع الصغيرة، ودعم المزارعين، وتقديم قروض ميسرة تضمن استدامة الدخل للأسر الفقيرة.
هذا الغياب التنموي يساهم في إبقاء مؤشرات الفقر والبطالة في تصاعد مستمر، ويجعل من المجتمع رهينة لفتات المساعدات الخارجية.
غياب الشفافية وضعف الرقابة المحلية
يتساءل الشارع المحلي في تعز بحرقة عن آليات الرقابة والمساءلة الإدارية والمالية التي تخضع لها تلك المؤسسات والمنظمات.
تشير التقارير غير الرسمية وشهادات ناشطين حقوقيين إلى وجود شبكات مصالح معقدة تجمع بعض مسؤولي المنظمات المحلية مع ممثلي الجهات المانحة الدولية، مما يسهل تمرير مشاريع غير ذات أولوية واعتماد ميزانيات تشغيلية مبالغ فيها بشكل صارخ، حيث تغيب الشفافية بشكل شبه كامل عن كشوف الميزانيات الحقيقية للمشاريع، ولا يتم إشراك المجتمعات المحلية أو السلطة المحلية بشكل فعال وحقيقي في تحديد الاحتياجات بدقة، بل تفرض المشاريع فرضاً وفقاً لأجندة وقوالب جاهزة تأتي من المكاتب الإقليمية للمنظمات في الخارج، دون مراعاة لخصوصية واحتياجات مدينة تعز المحاصرة والمنهكة خدمياً.
دعوات لتصحيح المسار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه
أمام هذا المشهد القاتم، تتصاعد الأصوات والمطالبات من قبل أكاديميين، وحقوقيين، وإعلاميين في تعز بضرورة إجراء مراجعة شاملة لآليات عمل منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالتمويلات الدولية.
يتطلب الوضع الراهن فرض رقابة مجتمعية ورسمية صارمة على كل دولار يدخل المحافظة باسم العمل الإنساني، وإلزام المنظمات بتوجيه التمويلات نحو المشاريع الرأسمالية والتنموية ذات الأثر المستدام.
إن تحويل الأموال المخصصة للمشاريع الرمزية نحو إعادة إعمار المدارس، وتجهيز المستشفيات الحكومية بالطاقة الشمسية والمعدات الحديثة، وصيانة شبكات المياه والصرف الصحي، هو السبيل الوحيد لإحداث فارق حقيقي يلمسه المواطن في حياته اليومية، وينقذ تعز من السقوط في هاوية الانهيار الشامل الذي لن تجدي معه حينها مسكنات الإغاثة المؤقتة.
نقلا عن خبر للأنباء
التصنيف :
تقارير