قالها هنري كيسنجر بكل وضوح: "ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحل أي مشكلة في العالم، بل من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة وتحرّكها وفقاً لمصالحها".
بهذه الرؤية يمكن فهم جانب عميق من السلوك الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية، خصوصاً في مناطق الصراع المزمنة مثل الشرق الأوسط. فالمسألة لا تتعلق بعجز عن الحل، بل بخيار استراتيجي يقوم على إدارة التوازنات بدل إنهاء الصراعات.
عند إسقاط هذه الفكرة على الواقع المعاصر، يتضح أن الولايات المتحدة تتعامل مع الأزمات الكبرى بوصفها أدوات نفوذ، لا ملفات ينبغي إغلاقها. فبقاء التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها يمنح واشنطن دور "المنسّق الأعلى" الذي تحتاجه جميع الأطراف، سواء كانت حليفة أو خصماً. ومن خلال هذا الدور، تستطيع التأثير في مسارات الأحداث، وممارسة الضغط السياسي، وضمان استمرار الاعتماد عليها أمنياً وعسكرياً.
في الشرق الأوسط، تبدو هذه الاستراتيجية أكثر وضوحاً، خاصة في العلاقة الامريكية مع إيران مؤخرا. فالتصعيد والتهدئة بين الطرفين لا يسيران نحو حسم نهائي، بل نحو ضبط إيقاع الصراع بما يمنع الانفجار الشامل، ويحول في الوقت ذاته دون الوصول إلى تسوية كاملة. فوجود إيران كقوة مقلقة في الخليج والإقليم يبرر استمرار الوجود العسكري الأمريكي، ويعزز تحالفاته، ويفتح أسواقاً دائمة لصناعة السلاح، وهي إحدى الركائز المهمة في الاقتصاد الأمريكي.
الأمر ذاته يمكن ملاحظته في قضايا أخرى، من فلسطين إلى العراق إلى سوريا، وصولاً إلى ليبيا والسودان واليمن، حيث تظل الحلول النهائية مؤجلة، بينما تُدار الأزمات عبر مبادرات جزئية واتفاقات هشة، لا تنهي الصراع بقدر ما تعيد إنتاجه بصيغ مختلفة. هذه الديناميكية تخلق حالة من "اللااستقرار المنضبط" الذي يخدم بقاء النفوذ الأمريكي، ويمنع أي قوة إقليمية أو دولية من الانفراد بالمشهد.
ولو افترضنا جدلاً أن الولايات المتحدة قررت إنهاء هذه الملفات دفعة واحدة—من الصراع الفلسطيني إلى تحييد إيران، ووقف الحروب في أوكرانيا واليمن والسودان وليبيا—فإن النتيجة لن تكون فقط عالماً أكثر استقراراً، بل نظاماً دولياً أقل اعتماداً على واشنطن، وهو ما يتناقض مع منطق القوة الذي يحكم السياسة الواقعية. عندها ستفقد الولايات المتحدة جزءاً مهماً من قدرتها على التأثير، وستتراجع الحاجة إليها كضامن أو وسيط، كما ستتأثر صناعاتها العسكرية التي تزدهر في بيئات التوتر.
من هذا المنظور، لا تبدو الأزمات خللاً طارئاً في النظام الدولي، بل جزءاً من بنيته، تُدار وتُضبط بما يخدم مصالح القوى الكبرى. فبعض القوى لا تسعى دائماً لإطفاء الحرائق، بل لإبقائها مشتعلة بالقدر الذي يضمن السيطرة على مسارها وتوجيه نتائجها.
وفي الحالة اليمنية، يظهر هذا المنطق بوضوح، حيث يُبقي استمرار التهديد الحوثي الصراع في دائرة الاستنزاف الداخلي، دون أن يتحول إلى خطر حقيقي على مصالح القوى الكبرى. وبذلك يظل الحوثي أداة ضغط داخلية تعمّق الانقسام اليمني، أكثر من كونه تهديداً استراتيجياً يتطلب حسمه على المستوى الدولي...
التصنيف :
كتابات واراء