شهدت جبهة جبل دُباس، الواقعة شمال مديرية حيس بجنوب محافظة الحديدة، خلال الساعات الماضية، تصعيداً عسكرياً هو الأكبر والأكثر دموية منذ سنوات.
وجاء هذا التصعيد إثر محاولة انتحارية نفذتها مليشيا الحوثي لإحداث خرق ميداني في واحدة من أهم الجبهات الاستراتيجية بالساحل الغربي.
سيناريو الهجوم وغطاء "المسيّرات"
أفادت مصادر ميدانية بأن المليشيا الحوثية شنت هجوماً مكثفاً ومستميتاً اتبع تكتيكاً عسكرياً تصاعدياً؛ حيث بدأ بنشر مكثف لقناصتها في التباب المقابلة، تلاه غطاء ناري عنيف واستخدام مكثف للطائرات المسيّرة الانتحارية وقذائف الهاون.
ونتيجة لكثافة النيران، تمكنت المليشيا في الدقائق الأولى من إحداث اختراق محدود في بعض المواقع المتقدمة.
*الهجوم المعاكس واستعادة السيطرة.*
لم يدم اختراق المليشيا طويلاً، حيث نفذت المقاومة الوطنية – وتحديداً أبطال "ألوية الزرانيق التهامية" – هجوماً معاكساً وخاطفاً.
وخاض الأبطال مواجهات شرسة وجهاً لوجه استمرت لعدة ساعات، تكللت بتطهير كافة المواقع المخترقة، ودحر عناصر المليشيا وتشتيت شملهم بالكامل بعد تحويل الهجوم الحوثي إلى مصيدة محكمة.
حصيلة الخسائر:
مليشيا الحوثي: لقي نحو 50 عنصراً حوثياً مصرعهم وأصيب العشرات باصابات معظمها خطيرة.
وأكدت مصادر طبية أمتلئت مستشفيات (الجراحي وزبيد) بجثث القتلى والمصابين، في حين نُقلت الحالات الحرجة إلى مستشفيات الحديدة وصنعاء.
قدمت المقاومة الوطنية تضحيات جسيمة في هذه الملحمة، حيث ارتقى من 15 إلى 16 شهيداً، وأصيب نحو 22 جريحاً تم نقلهم إلى المستشفيات الميدانية لتلقي العلاج.
جبل دُباس: الأهمية الاستراتيجية والجغرافية.
يُعد "جبل دُباس" العقدة العسكرية الأهم والسد المنيع في جبهة الساحل الغربي، وتكمن قيمته في الأبعاد التالية:
التفاصيل الاستراتيجية
الأهمية العسكرية: يمثل حاجز الصد الأول والمحكم الذي تتحطم عليه مخططات المليشيا الحوثية للتقدم نحو المناطق المحررة في جنوب الحديدة (وتحديداً مديريتي حيس والخوخة).
الموقع الإداري يقع كعزلة شمال مديرية حيس، ويتداخل إدارياً وجغرافياً في بعض التقسيمات مع مديرية "جبل راس".
التضاريس والتحصين منطقة جبلية وعرة تتميز بتحصينات طبيعية معقدة، ويبلغ ارتفاع الجبل نحو 950 متراً عن سطح البحر، مما يمنح المسيطر عليه إشرافاً نارياً كاملاً.
الأبعاد السياسية والعسكرية للتصعيد:
يرى مراقبون عسكريون أن هذا التصعيد الحوثي الخطير يعكس رغبة المليشيا في تحقيق أي انتصار ميداني للتغطية على مأزقها السياسي، ومحاولة لتغيير خارطة السيطرة في جبهة الساحل الغربي الحيوية.
إلا أن اليقظة العالية لأبطال ألوية الزرانيق والمقاومة الوطنية وجهت صفعة قاسية للمليشيا، وأثبتت أن جبال تهامة ستبقى عصية على أي اختراق.
1. الأهمية التكتيكية للمقاومة الوطنية والتهامية (ألوية الزرانيق)
امتداد تاريخي وقبلي: "ألوية الزرانيق" ليست مجرد تشكيل عسكري عابر، بل تنتمي قبلياً إلى قبائل "الزرانيق" التهامية المعروفة تاريخياً بشراستها في القتال ورفضها التاريخي للأفكار الإمامية.
وإبراز هذا الجانب يوضح لماذا يقاتل هؤلاء الجنود باستماتة؛ لأنهم يدافعون عن أرضهم ومزارعهم ومصدر رزقهم (مثل مناحل العسل).
العقيدة القتالية: تحظى هذه الألوية بإسناد مباشر من المقاومة الوطنية بقيادة الفريق أول ركن طارق محمد عبد الله صالح والقوات المشتركة، وتتميز بمعرفتها الدقيقة بتضاريس المنطقة (أهل الأرض)، مما قلب الطاولة على الحوثيين الذين استقدموا تعزيزات من محافظات أخرى لا تفقه طبيعة جغرافيا حيس وجبل راس.
2. التوقيت والسياق السياسي (لماذا هاجم الحوثيون الآن؟)
الهروب من الأزمات الداخلية: تلجأ المليشيا الحوثية عادةً إلى فتح جبهات انتحارية للتغطية على الأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرتها، ومحاولة لصرف الأنظار عبر افتعال معارك عقيمة.
ابتزاز المجتمع الدولي: محاولة السيطرة على مرتفعات تطل على الساحل الغربي مثل جبل دباس، تمنح المليشيا القدرة على تهديد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر بشكل غير مباشر عبر نصب منصات صواريخ أو رادارات استطلاع، مما يجعل المعركة ذات بعد إقليمي وليس محلياً فقط.
3. تفاصيل لوجستية وطبية حول المعركة
استنزاف المنظومة الطبية للحوثيين: التدفق الهائل للجثث والجرحى (نحو 50 قتيلاً وعشرات الجرحى) أحدث حالة طوارئ غير معلنة في مستشفيات مديريتي "الجراحي" و"زبيد" الخاضعتين لسيطرة الحوثيين، حيث تم طرد العديد من المرضى المدنيين لإخلاء الأسرّة لعناصر المليشيا، وتحويل الحالات الحرجة فوراً إلى صنعاء والحديدة نظراً لضعف الإمكانيات الطبية في جبهات خطوط النار.
خطوط الإمداد العسكري: حاول الحوثيون استغلال تداخل مديرية "جبل راس" مع مديرية "حيس" لتهريب الأسلحة والذخائر وعناصر القناصة عبر الشعاب الوعرة، إلا أن الراصدين والاستطلاع البري للقوات المشتركة رصدوا التحركات مبكراً، مما ساهم في سرعة التقييم وسحق القوة المهاجمة.