في عالم السياسة والأمن، لا تكمن خطورة بعض الأحداث دائمًا فيما نعرفه عنها، بل كثيرًا ما تكمن فيما تتركه وراءها من أسئلة مفتوحة. فبعض الوقائع لا تقدم إجابات نهائية عند حدوثها، لكنها تكشف ثغرات تستوجب التحقيق، وتفرض على صناع القرار التفكير في احتمالات المفاجأة قبل أن تتحول إلى حقائق يصعب احتواؤها.
ومن هذا المنطلق، فإن الرحلة الإيرانية التي وصلت إلى مطار صنعاء قبل أيام لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال الرواية المعلنة أو الجدل المرتبط بها، أو حتى من زاوية انتهاك السيادة اليمنية كما ترى الحكومة الشرعية، بل من خلال سؤال استراتيجي أوسع:
ماذا لو كانت هذه الرحلة تحمل أبعادًا تتجاوز ما أُعلن عنها؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني إصدار حكم مسبق أو توجيه اتهام، وإنما يعكس منهجًا معروفًا في التفكير الاستراتيجي؛ فالدول لا تبني قراراتها على المعلومات المؤكدة فقط، بل على تقدير المخاطر، وتحليل المؤشرات، والاستعداد لكل الاحتمالات.
وقد أثارت الرحلة تساؤلات عدة بعد تداول معلومات حول طبيعة الجهة المشغلة لها وصلاتها بجهات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، إلى جانب تقارير تحدثت عن انقطاع إشارات التتبع خلال جزء من مسارها، ومطالبات بإجراء تحقيق مستقل يكشف طبيعة الركاب والحمولة والغاية الفعلية من الرحلة.
وإذا كانت السلطات اليمنية الشرعية قد أشارت إلى احتمال نقل خبراء أو تقنيات أو معدات ذات استخدام مزدوج، فإن السؤال الأوسع لا يتعلق بالرحلة وحدها، بل بما إذا كانت تمثل حادثة منفردة أم مؤشرًا على نمط أوسع في إدارة النفوذ الإيراني داخل مناطق النزاع.
وهنا يبدأ التفكير في الاحتمالات، لا في إصدار الأحكام.
ففي بيئات الصراع، قد تتحول وسائل النقل والتحركات غير المعتادة إلى أدوات تتجاوز الاستخدامات المعلنة، سواء لنقل شخصيات ذات أهمية أو قدرات أو خبرات أو تجهيزات ذات قيمة استراتيجية يصعب إخضاعها للرقابة التقليدية. ولا توجد معلومات معلنة تثبت سيناريو محددًا بشأن هذه الرحلة، لكن مجرد احتمال وجود ترتيبات غير معلنة يكشف حجم التحديات التي تواجهها منظومات الرقابة الدولية في مناطق النزاع.
ويمثل اليمن نموذجًا واضحًا لهذه البيئة المعقدة؛ فالتضاريس الجبلية الوعرة، وتعدد مراكز النفوذ، وضعف سيطرة الدولة في بعض المناطق، كلها عوامل تجعل عمليات الرصد والتعقب أكثر صعوبة. وقد أظهرت سنوات الحرب قدرة الحوثيين على الحفاظ على قدر كبير من السرية حول مواقع قياداتهم وتحركاتهم، رغم امتلاك خصومهم قدرات استخباراتية وتقنية متقدمة.
ولا يعني ذلك استحالة الوصول إلى تلك القيادات أو معرفة تحركاتها، لكنه يؤكد أن البيئة اليمنية توفر هامشًا واسعًا للمناورة والإخفاء، وهو ما يجعل أي مؤشرات مرتبطة بالنقل أو الحركة محل اهتمام أمني مشروع.
كما أن الرواية المتعلقة بنقل "عالقين" من طهران، في ظل محدودية المعلومات المعلنة حول هوياتهم وظروف بقائهم خارج البلاد، أثارت تساؤلات لدى بعض المراقبين بشأن طبيعة الرحلة والهدف الفعلي منها. وهذه التساؤلات لا تمثل دليلًا على فرضية محددة، لكنها تؤكد الحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف يوضح الحقائق ويمنع تحول الغموض إلى مجال للتكهنات والتفسيرات المتضاربة.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات عند النظر إلى التطور النوعي الذي شهدته قدرات الحوثيين خلال سنوات الحرب؛ إذ انتقلت الجماعة من إمكانات عسكرية محدودة إلى امتلاك منظومات صاروخية وطائرات مسيرة أكثر تطورًا، وهو ما يوضح أن انتقال الخبرات والتقنيات في بيئات الصراع يمكن أن يؤثر في موازين القوى، ويعقد مسارات التسوية السياسية، ويطيل أمد الصراع بما ينعكس على جهود استعادة الدولة اليمنية ومعاناة اليمنيين.
وفي هذا السياق، أثارت الرحلة نفسها جدلًا واسعًا؛ إذ إن الطائرة التابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية من طراز Airbus A340 نقلت في رحلة العودة عددًا من الشخصيات المرتبطة بجماعة الحوثي إلى طهران، بينهم مسؤولون وشخصيات إعلامية ودينية محسوبة على الجماعة، حيث ظهر بعضهم في مشاهد وتصريحات عبر وسائل إعلام إيرانية ومنصات مرتبطة بالحوثيين، وهم يحتفون بالرحلة باعتبارها خطوة لكسر ما وصفوه بالحصار، والترويج لبدء مرحلة جديدة من الرحلات المباشرة بين صنعاء وطهران.
إلا أن هذه الخطوة سرعان ما فتحت بابًا آخر من الجدل؛ إذ اعتبرت الحكومة اليمنية الشرعية أن تسيير الرحلة دون تنسيق مسبق يمثل تجاوزًا للإجراءات المرتبطة بالسيادة اليمنية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ورفضت، وفق ما أُعلن، طلبًا إيرانيًا بتسيير رحلات مماثلة إلى صنعاء، واتخذت إجراءات للحيلولة دون تكرار تشغيل هذا المسار الجوي.
وكان لافتًا أن بعض من شاركوا في الرحلة، ممن سبق لهم انتقاد الحكومة الشرعية ووصفها بأنها "حكومة فنادق"، وجدوا أنفسهم بعد توقف المسار نفسه أمام وضع مشابه من حيث تعذر العودة عبر الرحلة ذاتها؛ وهي مفارقة تكشف أن الشعارات السياسية كثيرًا ما تصطدم بتعقيدات الواقع.
ولا تثبت هذه الوقائع، بحد ذاتها، طبيعة ركاب الرحلة التي وصلت إلى صنعاء ثم عادت إلى طهران بعد نحو ثلاث ساعات، أو حمولتها، أو وجود أي أهداف غير معلنة محتملة، كما لا تكفي للربط القطعي بين مختلف الأحداث المتزامنة. لكنها تضيف أسئلة جديدة حول طبيعة التحركات المرتبطة بهذه الرحلة، وتؤكد أهمية الوصول إلى معلومات موثقة بعيدًا عن التفسيرات المتسرعة.
وقد أثبتت تجارب إقليمية عديدة أن الدول لا تكشف دائمًا عن جميع تحركاتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو بالأوراق التفاوضية. كما أن تجربة السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثيين تقدم مثالًا لا ينبغي تجاهله؛ إذ شهدت تلك المرحلة تدشين جسر جوي بين طهران وصنعاء، أُعلن حينها عن تسيير رحلات متعددة أسبوعيًا، وأثار ذلك تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه الرحلات وأهدافها وانعكاساتها على المشهد اليمني.
ولا يعني استحضار تلك التجربة إصدار حكم على أي رحلة بعينها، لكنه يؤكد ضرورة عدم تكرار مسارات قد تسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.
كما اكتسبت القضية بعدًا دوليًا بعد طلب الحكومة اليمنية عقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة تداعيات الرحلة، وهي الجلسة المقرر عقدها يوم الاثنين 13 يوليو/تموز. وتضع هذه الجلسة المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في التعامل مع الواقعة بعيدًا عن التجاذبات السياسية، عبر السعي إلى كشف الحقائق والإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الرحلة، وهوية الركاب، والحمولة، وما إذا كانت تمثل حادثة عابرة أم مؤشرًا على نمط أوسع من التحركات في بيئات النزاع.
فالتفكير الاستراتيجي لا يقوم على التسليم بالفرضيات ولا على استبعادها، وإنما على اختبارها في ضوء الأدلة والوقائع.
ولهذا فإن التعامل مع مثل هذه الوقائع لا ينبغي أن يكون عبر إطلاق أحكام غير مثبتة، ولا عبر تجاهل الأسئلة المشروعة، وإنما من خلال التحقيق المستقل، والشفافية، والوصول إلى معلومات دقيقة قادرة على وضع الحقائق في إطارها الصحيح.
فقد يثبت التحقيق أن بعض المخاوف كانت مبالغًا فيها، وقد يكشف في المقابل عن معطيات تستحق الاهتمام. وفي كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة هي الطريق الأقصر لحماية الأمن والاستقرار ومنع تحول الغموض إلى أزمة أكبر.
ويبقى السؤال الذي قد تجيب عنه الأيام:
هل كانت رحلة صنعاء مجرد رحلة عادية في خضم أزمة إقليمية، أم أنها كانت جزءًا من مسار أكبر لم تتكشف كل فصوله بعد؟
ففي عالم تتشابك فيه الأزمات الإقليمية، لم تعد الشفافية والتحقيق المستقل مجرد مطالب سياسية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لمنع المفاجآت، وحماية الأمن الإقليمي، وتعزيز الثقة في قواعد القانون الدولي.
التصنيف :
كتابات واراء