من الاعتراف إلى السيادة... معركة اليمن لاستعادة الدولة د. علي العسلي



لم يعد الصراع في اليمن معركة على الجغرافيا وحدها، بل أصبح في جوهره معركة على هوية الدولة ومكانتها القانونية وحقها الأصيل في ممارسة وظائفها السيادية. فبينما تسعى جماعة انقلابية إلى تكريس واقع مفروض خارج مؤسسات الدولة، يعمل المشروع الإيراني على نقلها من موقع الجماعة المسلحة التي تمردت على الدولة إلى موقع الطرف الذي ينازعها حق التمثيل والقرار وإدارة الاختصاصات الوطنية.

وتدرك القيادة اليمنية أن الدول قد تخسر مدنًا أو تتعرض مؤسساتها للاهتزاز بفعل الحروب والأزمات، لكنها لا تفقد جوهرها إلا عندما يُنتزع منها قرارها الوطني المستقل، ويصبح السلاح بديلًا عن المؤسسات. ولذلك فإن معركة استعادة اليمن لا تقتصر على استعادة الأرض، بل تمتد إلى حماية شخصية الدولة، وصون شرعيتها، وضمان حقها في إدارة شؤونها وفقًا للقانون الدولي.

ضمن هذا الفهم، تعامل رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي مع الانقلاب الحوثي باعتباره تهديدًا لبنية الدولة وكيانها القانوني، وليس مجرد خلاف سياسي عابر. وظلت استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، والتمسك بالمرجعيات الوطنية والدولية، مرتكزات ثابتة في مواقفه، بهدف حماية مكانة الجمهورية ومنع تحويل جماعة مسلحة إلى كيان موازٍ ينازع الدولة اختصاصاتها.

وتتضح خطورة هذا المسار بصورة أكبر من خلال المحاولات الإيرانية لتقديم الحوثيين باعتبارهم طرفًا سياسيًا قائمًا بذاته، في تجاوز لمجرد دعم جماعة مسلحة إلى محاولة إعادة تشكيل طبيعة الصراع وفرض واقع سياسي جديد. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالسيطرة على مناطق محددة، بل أصبحت تتعلق بالسؤال الجوهري: من يملك الحق في تمثيل اليمن، وممارسة صلاحياته الوطنية وفق قواعد القانون الدولي؟

وجاءت حادثة الطائرة الإيرانية لتضع هذا المبدأ أمام اختبار عملي؛ فلم تكن مجرد رحلة جوية أو إجراء فني، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على حماية اختصاصاتها الأصيلة في إدارة أجوائها ومطاراتها ومنافذها. فهذه ليست مساحات نفوذ أو أوراق تفاوض، وإنما وظائف سيادية لا يملك حق ممارستها إلا الدولة ومؤسساتها المعترف بها.

وفي اجتماع مجلس الدفاع الوطني، أكد الرئيس رشاد محمد العليمي أن حماية السيادة اليمنية ليست ردّ فعل على حادثة عابرة، بل هي جزء أصيل من معركة استعادة الدولة وترسيخ مؤسساتها وولايتها الدستورية. وعندما شدد على أن اليمن لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه بما ينتقص من استقلال قراره الوطني، وأعلن أن أي طائرة إيرانية لن تعود إلى الأراضي اليمنية بعد اليوم، فقد بعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تعد تكتفي بالمطالبة باحترام اختصاصاتها وسيادتها، بل انتقلت إلى ممارسة حقها المشروع في حمايتها وإنفاذ سلطتها على كامل أراضيها ومجالها الجوي، وفقاً للقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول ومبادئ القانون الدولي.


وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تربط القرار السياسي بقدرة مؤسسات الدولة على التنفيذ؛ فقد أشاد الرئيس بجهود القوات المسلحة اليمنية في الحيلولة دون هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، مؤكدًا أن حماية اليمن وأمنه واستقراره مسؤولية وطنية شاملة تمتد إلى البر والبحر والجو. فالمسألة لم تعد مرتبطة بطائرة بعينها، بل أصبحت تعبيرًا عن حق الجمهورية اليمنية في إدارة مجالها الوطني، وممارسة صلاحياتها، واتخاذ قراراتها المستقلة وفقًا للقانون الدولي.

كما ربط الرئيس بين معركة السيادة ومعاناة المواطن اليمني، مؤكدًا أن إنهاء الآثار الإنسانية التي خلفتها ممارسات الميليشيات الحوثية المدعومة من النظام الإيراني يمثل جزءًا من مشروع استعادة الدولة. فالسيادة ليست مفهومًا قانونيًا مجردًا، بل قدرة عملية على حماية المواطنين، وضمان أمنهم، وتوفير شروط الحياة الكريمة لهم.

"وفي السياق ذاته، يعكس تطور الأداء العسكري اليمني جانبًا مهمًا من مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي؛ إذ باتت البيانات العسكرية تصدر باسم وزارة الدفاع اليمنية، فيما جاء البيان رقم (1) ليُتلى من قبل وزير الدفاع شخصيًا عبر وسائل الإعلام، في دلالة واضحة على عودة المؤسسة العسكرية الوطنية إلى موقعها كإحدى الركائز الأساسية للدولة وصاحبة الاختصاص في حماية سيادتها. كما أسهمت هذه التطورات في تعزيز ثقة المواطن اليمني بقواته المسلحة، وبقدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها، بعد أن أثبتت القوات الجوية اليمنية قدرتها على تنفيذ إجراءات عسكرية نوعية داخل الجغرافيا الوطنية، ومنع استخدام المنشآت السيادية خارج إطار سلطة الدولة. ويؤكد ذلك أن دعم الأشقاء لا يستبدل دور الدولة ولا ينتقص من استقلال قرارها الوطني، بل يعزز قدراتها ويساند مؤسساتها في أداء مسؤولياتها السيادية.

إن المشهد اليمني اليوم يقوم على جبهتين متكاملتين: جبهة المقاتل اليمني والقدرات العسكرية الوطنية التي تحمي البر والبحر والجو، وتدافع عن الأرض والسيادة؛ وجبهة رجل الدولة الذي يصون المركز القانوني للجمهورية، ويحافظ على حضورها ومكانتها في السياسة والقانون الدولي. فالأولى تحمي حدود الدولة ومقدراتها، والثانية تصون هويتها وشرعيتها وحقها في الوجود بوصفها دولة ذات سيادة.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن أخطر ما يمكن أن يحققه أي انقلاب ليس السيطرة المؤقتة على الأرض أو المؤسسات، بل النجاح في انتزاع الاعتراف وتحويل القوة المسلحة إلى بديل عن الدولة. ومن هنا فإن معركة اليمن اليوم ليست فقط معركة استعادة مدن ومؤسسات، بل معركة حماية مفهوم الدولة ذاته؛ فالسلاح قد يفرض أمرًا واقعًا، لكنه لا يمنح شرعية، والاعتراف الدولي لا يُمنح لمن يفرض نفسه بالقوة، بل لمن يمثل الدولة ويحمي مؤسساتها وفق قواعد القانون الدولي.

فاليمن، رغم كل التحديات، يظل دولة واحدة ذات سيادة، تملك مؤسساتها الشرعية حق تمثيل شعبها، وإدارة شؤونها، وصون مستقبلها الوطني.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال