عندما تختزل وزيرة الخارجية أزمة اليمن في «حل سلمي»!
لا أحد يعترض على السلام مبدأً، ولا عاقل يفضل استمرار الحرب على تسوية تنهي المعاناة وتعافي الدولة. لكن المشكلة ليست في كلمة "السلام" ذاتها، بل في ماهية السلام، ومع من، وعلى أي أساس، وبأي ضمانات، وعن أي دولة نتحدث بعده.
من هنا، تستدعي تصريحات وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة - الصادرة في أيامها الأولى بتولي الحقيبة، وفي لحظة بالغة الحساسية من تاريخ اليمن - وقفة نقدية، بل مراجعة جذرية.
أعلنت الزوبة أن الحكومة تسعى إلى حل سلمي مع الحوثيين، مع استعدادها للتصعيد إذا واصلوا الضغط، ونفت وجود محادثات مباشرة حاليًا، مشيرة إلى استمرار الدور العُماني في الوساطة..
عبارات في ظاهرها طبيعية، بل مطلوبة من أي حكومة مسؤولة، لكن وزيرة الخارجية ليست ناشطة سلام أو خبيرة تنمية، إنها رأس الدبلوماسية اليمنية، والمسؤولة عن قراءة سياسية دقيقة للدولة وللخطر الذي يتهددها.
وهنا السؤال الأكثر إلحاحًا.. أين الخبرة التراكمية في قراءة بنية الحوثي ومشروعه العقائدي، إن ظل التعامل معه وكأنه مجرد طرف سياسي يمكن الاتفاق معه ثم الانصراف؟
الحوثيون لم يصلوا إلى السلطة عبر صندوق الانتخابات!
هذه الحقيقة ينبغي ألا تضيع وسط لغة الدبلوماسية الرنانة.. لم يصل الحوثيون إلى صنعاء كحزب فاز في اقتراع، ولا كسلطة عبر توافق وطني، بل عبر القوة المسلحة، بعد حروب وتحالفات متقلبة وانقلابات على التحالفات ذاتها.
لن نتطرق إلى حروب صعدة الست واتفاقيات السلام المنكوثة حوثياً.. في سبتمبر 2014، وقع "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" برعاية أممية، وكان مفترضًا أن يكون مدخلًا للاستقرار، وإعادة مؤسسات الدولة إلى سلطتها، ووضع الأسلحة المتوسطة والثقيلة تحت سيطرتها.. لكن الأمم المتحدة وثقت أن الحوثيين، في اليوم التالي للتوقيع، هاجموا مقر القيادة العسكرية بصنعاء، ثم مضوا بلا هوادة نحو السيطرة على القصر الرئاسي وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس عبدربه منصور هادي ومسؤولين آخرين.
فهل كان ذلك مجرد "سوء تفاهم" في تطبيق اتفاق سياسي؟ أم أنه تعبير صريح عن حقيقة أعمق: أن الاتفاق بالنسبة لجماعة مسلحة لا يساوي التزامًا سياسيًا، ما لم يخدم موازين القوة ومشروعها النهائي؟
ستوكهولم.. واتفاق ظل حبرًا على ورق
بعد سنوات من الحرب، جاءت اتفاقية ستوكهولم في ديسمبر 2018، وكان اتفاق الحديدة أبرز بنودها.. هدفه كان واضحًا: وقف التصعيد، وإعادة الانتشار، وترتيب الأوضاع في المدينة والموانئ، وتخفيف المعاناة الإنسانية.. لكن الاتفاق تعثّر تعثّرًا فاضحًا.. وثائق أممية تؤكد أن الحوثيين رفضوا إعادة نشر قواتهم من الحديدة والموانئ، ولم يسلموا خرائط الألغام بل لم يزيلوها، وعطلوا عمل بعثة الأمم المتحدة لدعم الاتفاق.
وهنا يتكرر السؤال بإلحاح: كم اتفاق سلام يحتاج اليمن حتى ندرك أن المشكلة ليست نقصًا في الاتفاقيات، بل غياب الإرادة لدى طرف يرى في الهدن والاتفاقات أدوات لإدارة الصراع، لا لإنهائه؟
وحتى الهدنة لا تعني أن المشروع تغير!
هدنة أبريل 2022 قدّمت مثالًا آخر على أن خفض التصعيد لا يعني تحولًا في جوهر المشروع.. حققت فوائد إنسانية ملموسة.. تراجع العنف، تدفق الوقود، استئناف الرحلات من صنعاء.. لكن الخلافات حول فتح الطرق والرواتب والرحلات ظلت عصية، ورفض الحوثيون مقترح الهدنة الموسعة الذي حظي بقبول واسع من الحكومة، وفقًا لمركز صنعاء.
الدعوة إلى السلام ليست العيب، العيب أن تتحول إلى سلام بلا شروط سياسية واضحة، ولا ضمانات، ولا معالجة لجذر المشكلة.
جوهر المسألة.. الحوثيون يحملون مشروعًا، لا مجرد مطالب
هنا النقطة التي يبدو أن كثيرًا من الخطاب السياسي اليمني والدولي يتجنب مواجهتها بجرأة: الحوثيون ليسوا جماعة مطالب سياسية يمكن دمجها في حكومة ائتلافية، ثم ينتهي الأمر.
الدراسات التي تناولت بنية سلطتهم تشير إلى أنهم أنشأوا منظومة حكم خاصة بهم، عبر شبكة من المشرفين والسلطات الموازية، وأعادوا تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم مشروع الجماعة، مع بناء منظومة عسكرية وأمنية واقتصادية واسعة. يصف مركز صنعاء ذلك بأنه مشروع لدولة حوثية خاصة، لا مجرد مشاركة مؤقتة في دولة قائمة.
وهذا يفسر تعقيد التفاوض معهم.. القضية ليست فقط "من يحكم؟" بل أي دولة ستنشأ بعد التسوية؟ دولة جمهورية تقوم على المواطنة المتساوية؟ أم دولة تبقي في داخلها بنية تمنح جماعة بعينها امتيازًا دينيًا وسلاليًا في القيادة؟
الولاية والاصطفاء.. الجانب الذي لا يجوز تجاهله
هنا نصل إلى لب المشروع. ليس المقصود الإساءة إلى الزيدية كمذهب، ولا تحميل اليمنيين الزيديين مسؤولية الحوثيين، فهذا تبسيط غير علمي.. لكن تجاهل البعد الديني والسياسي في خطابهم سيكون تبسيطًا من نوع آخر لا يقل خطورة.
توضح دراسات متخصصة أن الحركة استندت في شرعيتها إلى عناصر من الزيدية السياسية، وأن مفهوم الإمامة والولاية ارتبط تاريخيًا بفكرة شرعية الحكم القائمة على "النسب المقدس" في بعض تأويلاتها.. كما تشير دراسات أحدث إلى أن الحوثيين طوّروا خطابًا حول "الولاية" بوصفها مصدرًا للسلطة الدينية والسياسية، ما يؤدي إلى تركيز السلطة في القيادة بدل المؤسسات الجمهورية المنتخبة.
وهذا هو جوهر المسألة: إذا كان الحاكم يستمد شرعيته من الانتخابات والدستور والمواطنة، فإمكان تغييره ممكن عبر السياسة. أما إذا كان يستمدها من الاصطفاء والنسب والولاية، المشكلة أعمق من مجرد تقاسم حقائب وزارية. ومن ثم، فإن التسوية التي لا تناقش هذه المسألة قد تنجح في إيقاف إطلاق النار، لكنها تفشل حتمًا في بناء السلام.
أي سلام نريد؟
لا نحتاج إلى سلام يعيد إنتاج المشكلة داخل مؤسسات الدولة.. ولا إلى اتفاق يمنح الحوثيين شرعية سياسية مقابل تخلي مؤقت عن السلاح، بينما تبقى بنيتهم العسكرية والأمنية والفكرية كما هي.. السلام الذي يحتاجه اليمن هو سلام يعيد بناء الدولة، لا سلامًا يعيد توزيع مقاعدها بين جماعات مسلحة.
أين تقف وزيرة الخارجية من كل ذلك؟
هنا تحديدًا يصبح من حق اليمنيين - بل واجبهم - أن يسألوا الوزيرة أفراح الزوبة، التي وصلت إلى الخارجية بعد مسيرة في التنمية والإدارة وبناء السلام، وعضوية في مؤتمر الحوار الوطني ولجنة صياغة الدستور، ومشاركة في جهود سلام دولية: أين قراءتك السياسية لمشروع الحوثيين؟
الزوبة ليست شخصية بلا خبرة، سيرتها تمتد لسنوات في العمل العام والتنمية وبناء السلام، لكن حقيبة الخارجية شيء آخر.. حتى المصادر التي تناولت سيرتها أشارت إلى أنها لم تأتِ من المسار التقليدي للسلك الدبلوماسي، إذ لم تسبق لها العمل سفيرة أو تولي منصب بوزارة الخارجية.. وهذا لا يعني أن غياب الخبرة الدبلوماسية السابقة عيب بذاته، لكنه يجعل التواضع السياسي والحرص على دقة التوصيف أكثر ضرورة، لا أقل.
فكيف تبدأ وزيرة الخارجية أيامها الأولى بالحديث عن الحل السلمي مع جماعة تحمل كل هذا التاريخ من الحروب والانقلابات والاتفاقات المتعثرة، دون أن تجعل من شروط السلام وضماناته وطبيعة المشروع الحوثي محورًا أساسيًا في خطابها؟
هل يكفي أن نقول: "نريد السلام"؟
· وماذا عن الدولة؟
· وماذا عن السلاح؟
· وماذا عن الولاية والاصطفاء؟
· وماذا عن حق اليمنيين جميعًا في المساواة في وطنهم؟
هل نحن أمام سذاجة سياسية أم مبايعة غير مباشرة؟
هنا يصبح السؤال أكثر حدة، بل قاطعًا:
هل ما صدر عن وزيرة الخارجية مجرد عباطة سياسية وسوء تقدير في أول أيام توليها، أم أن وراءه تصورًا سياسيًا أكثر خطورة لطبيعة الصراع؟
إذا كانت الوزيرة تدعو إلى السلام مع جماعة انقلبت على الدولة، ونقضت أو عطلت اتفاقات سابقة، وتبني في مناطق سيطرتها منظومة حكم خاصة بها، فما الذي يعنيه ذلك عمليًا؟
هل هو مجرد استعداد للتفاوض؟ أم أن الخطاب، إذا لم يقرن بشروط واضحة، قد يتحول إلى مبايعة غير مباشرة لمشروع سلالي على حساب الدولة والجمهورية والمواطنة المتساوية؟
بالطبع، لا يجوز تحويل سؤال سياسي إلى اتهام قطعي للوزيرة بأنها "تبايع الحوثيين"؛ فلا دليل على ذلك.. لكن من حق الرأي العام - بل من واجبه - أن يسألها، ومن واجبها أن تجيب بوضوح:
هل السلام الذي تتحدثين عنه يعني أن يتخلى الحوثيون عن مشروع الولاية والاصطفاء، وعن السلاح الموازي للدولة، وعن احتكار السلطة، وأن يقبلوا بدولة الجمهورية والمواطنة المتساوية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن هذا واضحًا وصريحًا.. أما إذا كان المقصود مجرد العودة إلى طاولة تفاوض جديدة لتقاسم السلطة مع جماعة تحتفظ بسلاحها ومشروعها العقائدي وبنيتها الموازية، فذلك ليس سلامًا، بل تأجيل لجولة جديدة من الحرب، ولكن هذه المرة تحت غطاء اتفاق سياسي.
سلام التحرير لا سلام التقسيم
اليمن لا يحتاج إلى اتفاق سلام آخر يضاف إلى أرشيف الاتفاقات الفاشلة.. اليمن يحتاج إلى سلام ينهي الحرب وينهي أسبابها، ويعيد الدولة إلى اليمنيين جميعًا، لا إلى جماعة أو سلالة أو مشروع ديني مسلح.
السلام الحقيقي ليس أن يتوقف الحوثي عن إطلاق النار فقط.. السلام الحقيقي هو أن يتخلى عن فكرة أن له حقًا خاصًا في حكم اليمن.. سلام مع جماعة بهذه العقلية والتركيبة لن يكون ممكنًا ما دامت متمسكة بمشروعها السلالي، ومرجعيتها القائمة على الولاية والاصطفاء، وسلاحها، وتبعيتها لإيران.
جربت الهدن والاتفاقيات والتسويات مرارًا، وكانت النتيجة أن الحوثيين استغلوا كل مسار سياسي لتثبيت انقلابهم وتوسيع سلطتهم.. لذلك، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن السلام إلى غطاء لإبقاء الانقلاب.
ما اغتصب بقوة السلاح لا يستعاد بالأمنيات، وما فشل التفاوض في استعادته لا بد أن تستعيده الدولة بقوتها.. استعادة اليمن تبدأ بتحرير كل شبر من الأراضي التي تسيطر عليها المليشيات الحوثية، وإنهاء سلطتها المسلحة والتبعية الإيرانية.. وبعد التحرير، تبنى دولة المواطنة والقانون، ويجرّم حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة، والتحريض على العنف والتمييز، وادعاء أي جماعة أو سلالة حقًا حصريًا في الحكم.
اليمنيون لا يريدون هدنة تبقي الانقلاب، ولا تسوية تكافئ السلاح الحوثي، يريدون سلامًا لا يأتي إلا بعد استعادة الدولة وسيادتها وإنهاء مشروع المليشيا والولاية والتبعية.
التصنيف :
كتابات واراء