حين تتحدث الدولة بثقة، فإنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل ترسم اتجاه المرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، باعتباره تعبيرًا عن رؤية تتجاوز إدارة الأزمة إلى تغيير معادلتها؛ باستعادة القرار والموارد، وتعزيز مؤسسات الدولة، وصولًا إلى الهدف الوطني الأهم: إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة وترسيخ الجمهورية.
في اليمن، لم تعد معركة استعادة الدولة مسألة جغرافيا فقط؛ فالدول لا تُستعاد بالسيطرة على الأرض وحدها، بل باستعادة القرار والسيادة على الموارد، وكفاءة المؤسسات، وثقة المواطن، وتحويل الشرعية السياسية إلى قوة حقيقية على الأرض.
ومن هنا، فإن استئناف تصدير النفط يحمل دلالة سياسية واستراتيجية تتجاوز قيمته الاقتصادية. فالدولة التي تستعيد مواردها تستعيد قدرتها على حماية اقتصادها، ودفع الرواتب، وتحسين الخدمات، وتعزيز مؤسساتها وتوسيع هامش قرارها الوطني.
فاستعادة الموارد ليست نتيجة لاستعادة الدولة فقط، بل إحدى أهم أدوات استعادتها.
لقد أدركت مليشيات الحوثي هذه الحقيقة مبكرًا، ولذلك لم تكن حربها على الدولة عسكرية فقط، بل جعلت الاقتصاد جبهة أساسية، عبر استهداف المنشآت والموانئ وتعطيل صادرات النفط واستنزاف موارد الحكومة.
لذلك، فإن عودة تصدير النفط بصورة مستقرة لا تعني استعادة مورد مالي فحسب، بل استعادة أحد عناصر القوة الوطنية وكسر إحدى أدوات الضغط التي استخدمها الحوثي لإضعاف الدولة.
وفي هذه المعادلة، لا يمكن إغفال الدور الأخوي والاستراتيجي للمملكة العربية السعودية، التي وقفت إلى جانب اليمن في واحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث، وأسهمت في دعم الدولة ومؤسساتها واقتصادها والتخفيف من معاناة شعبها.
ومن الإنصاف أن يُقال بوضوح:
شكرًا للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعبًا، على موقفها الأخوي الصادق والثابت إلى جانب اليمن ودولته وشعبه.
فالعلاقة اليمنية السعودية تتجاوز مفهوم الدعم إلى شراكة تفرضها حقائق التاريخ والجغرافيا والأمن والمصير المشترك. فوجود يمن مستقر ودولة قوية ليس مصلحة يمنية فقط، بل ضرورة استراتيجية لأمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر وباب المندب والمنطقة بأكملها.
لكن الدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن مسؤولية اليمنيين في بناء قوتهم من الداخل.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
فالشرط الأول لاستثمار هذه اللحظة هو توحيد معسكر الدولة وقرارها السياسي والعسكري.
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا للانقسامات وتعدد مراكز القرار والصراعات الجانبية، وكان الحوثي المستفيد الأكبر منها. لذلك، فإن تجاوز الخلافات وبناء جبهة وطنية واسعة تحت سقف الدولة والجمهورية لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لإنهاء الانقلاب واستعادة التوازن الوطني.
فالطريق إلى صنعاء يبدأ أولًا من توحيد من يريدون استعادة صنعاء.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فاليمن لا يحتاج إلى هدنة تدير الصراع إلى ما لا نهاية، ولا إلى انقلاب أقل توترًا، بل إلى سلام يعيد الدولة ومؤسساتها وسيادتها.
فلا يمكن بناء سلام مستدام على دولة ومليشيا، أو جيشين وقرارين وسيادتين. السلام الحقيقي يقوم على دولة واحدة، ومؤسسات وطنية واحدة، وسلاح يخضع لسلطة الدولة والقانون.
وهنا تكمن القيمة السياسية الحقيقية لخطاب الرئيس العليمي: الانتقال من إدارة الأزمة إلى استعادة المبادرة.
فإذا كانت عودة صادرات النفط بداية لاستعادة الموارد، فيجب أن تتحول إلى قوة اقتصادية ومؤسسية. وإذا كان الدعم السعودي يوفر مساحة للصمود، فيجب تحويله إلى قدرة مستدامة للدولة. وإذا كانت المتغيرات الإقليمية تفتح نافذة لإعادة تشكيل ميزان القوة، فيجب ألا تهدرها الانقسامات الداخلية.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من ساحات القتال؛ قد تبدأ من مورد يعود إلى خزينة الدولة، ومؤسسة تستعيد وظيفتها، وقرار يتوحد، واقتصاد يتعافى، ومواطن يستعيد ثقته بدولته.
استعادة الدولة ليست شعارًا، بل استراتيجية.
كل مورد تستعيده الدولة هو جزء من سيادتها، وكل مؤسسة تستعيد فاعليتها هي مساحة يخسرها منطق المليشيا، وكل خلاف يتم تجاوزه داخل الصف الوطني يغلق ثغرة استفاد منها الحوثي.
لقد كان الحوثي قويًا ليس فقط بما امتلكه من سلاح، بل أيضًا بما فقدته الدولة من قوة، وبما وفرته الانقسامات والفراغات من فرص لتمدده.
ولهذا تعمل المعادلة في الاتجاه المعاكس:
كلما استعادت الدولة قرارها ومواردها ومؤسساتها ووحدة صفها، بدأ الحوثي بخسارة أهم مصادر قوته.
من هنا يبدأ الطريق الحقيقي إلى صنعاء؛ ليس من الجغرافيا وحدها، بل من استعادة الدولة لنفسها أولًا.
وحين تتحول الثقة إلى قرار، والدعم إلى إنجاز، والموارد إلى قوة دولة، والتوافق إلى جبهة وطنية متماسكة، تبدأ معادلة ما بعد 2014 بالتصدع.
فالحوثي استطاع بقوة السلاح أن يسيطر على صنعاء، لكنه لم يستطع أن يمتلك اليمن.
واليمن أكبر من مليشيا، والجمهورية أعمق من مرحلة انقلاب، والدولة مهما طال ضعفها تظل المشروع الوحيد القادر على صناعة مستقبل اليمن.
وحين تستعيد الدولة نفسها، يبدأ الطريق إلى استعادة صنعاء.
التصنيف :
كتابات واراء