تواجه الشرعية اليمنية اليوم اختباراً مصيرياً لا يتعلق فقط بقدرتها على مواجهة التهديد الحوثي، بل بقدرتها على توحيد رسالتها السياسية والدبلوماسية بما يواكب التحولات الجوهرية التي شهدتها طبيعة الصراع خلال السنوات الماضية.
فالأزمة الراهنة لم تعد تكمن في غياب الرؤية أو العجز عن فهم طبيعة الخطر، بقدر ما تتجسد في وجود فجوة بين مستوى التشخيص المتقدم الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة، وبين الخطاب السياسي والدبلوماسي الذي لا يزال في بعض جوانبه يحمل مفردات مرحلة سابقة، لم تعد كافية للتعامل مع واقع أكثر تعقيداً.
لقد شهدت مؤسسات الشرعية خلال الفترة الأخيرة تحولاً مهماً في قراءة المشهد؛ إذ تعكس التصريحات الصادرة عن رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ووزارتي الخارجية والإعلام، إدراكاً متزايداً بأن جماعة الحوثي لم تعد مجرد طرف سياسي يمكن احتواؤه عبر تسويات مؤقتة، بل أصبحت مشروع قوة مسلحة فرض واقعاً موازياً للدولة، وارتبط بأجندة إيرانية إقليمية، واستغل فترات التهدئة لتعزيز قدراته وتوسيع نفوذه وترسيخ شبكاته.
غير أن التحدي اليوم لا يكمن في إيجاد توافق حول طبيعة الخطر الحوثي، فقد أصبح هناك إجماع رسمي على خطورته، وإنما في كيفية ترجمة هذا الإدراك إلى خطاب سياسي موحد وسياسة عملية متماسكة. فالفارق لم يعد في فهم طبيعة الجماعة، بل في مستوى الرسالة المترتبة على هذا الفهم؛ بين خطابٍ يُبقي السلام خياراً أولاً بانتظار المجهول مع فتح باب الخيارات الأخرى، وخطابٍ يرى ضرورة الانتقال الحتمي من مجرد إدارة الأزمة إلى استراتيجية وطنية تهدف إلى إنهائها.
كما أن أحد مظاهر الصراع مع الحوثي لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح صراعاً محتدماً على الرواية أيضاً؛ إذ نجحت الجماعة في تقديم خطاب مضلل حول "الحصار"، في محاولة لتحويل نتائج سياساتها التدميرية الداخلية إلى مسؤولية خارجية. بينما تكشف الوقائع أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الموارد، وإنما في طريقة إدارتها وتحويل الاقتصاد إلى أداة للسيطرة عبر الجبايات، واحتكار قطاعات واسعة من التجارة، وإضعاف رأس المال الوطني، بما أدى إلى تعميق معاناة المواطنين.
وفي هذا السياق، تكتسب المقابلة الأخيرة للشيخ عثمان مجلي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، مع القناة الفضائية اليمنية الرسمية، أهمية خاصة؛ إذ لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حديث إعلامي عابر، وإنما بوصفها شهادة سياسية تستند إلى تجربة طويلة ومباشرة في التعامل مع المشروع الحوثي منذ بدايات تمرده المسلح في صعدة عام 2004، وما أعقب ذلك من مراحل الصراع ومحطات التفاوض والتهدئة.
فالشيخ مجلي قدم قراءة تستند إلى مسار طويل من الأحداث والتجارب، مؤكداً أن مسارات السلام السابقة لم تنجح في إنهاء أسباب الصراع أو الوصول إلى تسوية مستقرة، وأن نتائجها على الأرض أظهرت أن جماعة الحوثي استفادت من فترات التهدئة في تعزيز قدراتها وترسيخ حضورها، بدلاً من أن تتحول تلك الفترات إلى مدخل حقيقي لبناء سلام دائم يعيد الاعتبار للدولة وينهي حالة الانقسام.
كما أن تأكيده أن الصراع في جوهره ليس صراعاً مذهبياً بين اليمنيين، وإنما نتيجة مشروع مسلح استثمر الخلافات الداخلية وارتبط بدعم خارجي، يعكس تحولاً مهماً في فهم طبيعة الأزمة وجذورها.
لكن هذا التشخيص المتقدم يفرض سؤالاً جوهرياً:
إذا كانت مؤسسات الدولة قد اقتربت من هذا المستوى من الوضوح في فهم طبيعة التهديد، فلماذا لا يزال الخطاب السياسي والدبلوماسي بحاجة إلى مزيد من الانسجام؟
فالمشكلة ليست في مبدأ السلام؛ فالسلام هو الغاية الطبيعية لأي دولة مسؤولة، ولا يمكن أن يكون خياراً مرفوضاً من حيث المبدأ. لكن التحدي يكمن في تعريف السلام وشروطه.
فهناك فرق جوهري بين سلام مستدام يعيد للدولة سيادتها وينهي أسباب الصراع الناتجة عن الانقلاب المسلح وتبعاته، وبين تهدئة مفتوحة تتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج الأزمة؛ حين يستخدم الطرف الذي فرض الحرب بالقوة مسارات السلام لا لإنهاء الصراع، وإنما لكسب الوقت وترسيخ الأمر الواقع.
لقد أثبتت التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أن الحوثي لم يكن يفتقد فرص السلام، فقد قُدمت له مبادرات ومسارات تفاوضية متعددة، إلا أن نتائج تلك التجارب أظهرت أنه لم يتعامل معها باعتبارها طريقاً لإنهاء الصراع وبناء دولة مستقرة، بل استفاد منها في تعزيز موقعه الميداني والسياسي.
ومن هنا، فإن السلام لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن استعادة الدولة، بل باعتباره نتيجة طبيعية لها. فقد أثبتت التجربة أن التهدئات التي لا ترتبط بضمانات حقيقية لإنهاء أسباب الصراع قد تتحول إلى فرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية وترسيخ واقع فُرض بالقوة، بدلاً من أن تكون جسراً نحو تسوية مستدامة.
لذلك فإن القوة العسكرية لا تُطرح باعتبارها نقيضاً للسلام، وإنما تصبح خياراً مشروعاً عندما يثبت أن الطرف الآخر هو من بدأ باستخدام العنف لفرض مشروعه وتعطيل مؤسسات الدولة، ثم استغل مسارات التفاوض للمناورة، وتخفيف الضغوط الدولية، وإفشال أي تسوية حقيقية تعيد الاعتبار للدولة. ففي مثل هذه الحالة لا تكون القوة بديلة عن السلام، وإنما وسيلة حتمية لإعادة فتح الطريق أمام سلام مستدام يقوم على إنهاء أسباب الحرب.
وهنا تظهر الأهمية القصوى لتوحيد الرسالة الرسمية؛ فالمعركة مع الحوثي أصبحت معركة سياسية ودبلوماسية تتطلب وضوحاً كبيراً في الخطاب، واتساقاً تاماً بين ما تقوله مؤسسات الدولة في الداخل وما تقدمه للخارج، حتى لا تتعارض رسائل التشخيص مع رسائل الخيارات.
فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع التصريحات باعتبارها مواقف منفصلة، بل يبني تصوراته من مجموع الخطاب الصادر عن الدولة. وعندما يسمع العالم تشخيصاً واضحاً لطبيعة الحوثي، ثم يواجه في الوقت نفسه خطاباً غير محسوم في تحديد شروط المرحلة المقبلة، فإن ذلك يخلق مساحة من الالتباس حول خيارات الدولة وأهدافها الحقيقية.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من "دبلوماسية شرح المشكلة" إلى "دبلوماسية تقديم الحل"؛ أي الانتقال من الاكتفاء بتوضيح انتهاكات الحوثي، إلى شرح ما ستفعله الدولة لإنهاء الخطر وبناء سلام مستدام.
وهذا يتطلب استراتيجية اتصال وطنية موحدة، تتحدث فيها الرئاسة والحكومة والخارجية والإعلام والسفارات بصوت واحد؛ صوت يؤكد أن الدولة لا تبحث عن الحرب، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تتحول التهدئة إلى غطاء لاستمرار الانقلاب وتأبيده.
كما يجب أن يقترن الخطاب بالفعل؛ فالمواطن اليمني لم يعد بحاجة إلى من يشرح له حجم معاناته وهو يعيشها يومياً. ما ينتظره هو قرارات عملية تحمي الموارد السيادية، وتدعم استئناف تصدير النفط، وتعزز قدرة مؤسسات الدولة، وتترجم الحديث عن الجاهزية إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
فالخصوم لا يتراجعون بمجرد كشف حقيقتهم، بل عندما تواجههم دولة تمتلك رؤية واضحة، وقراراً نافذاً، ورسالة سياسية واحدة لا تحتمل التأويل.
إن الشرعية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من شرح طبيعة الحوثي، فقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ بل تحتاج إلى الانتقال من مرحلة توصيف الخطر إلى مرحلة إدارة مواجهته، ومن تعدد الرسائل إلى قوة الرسالة الواحدة.
فحين تتوحد الرؤية والخطاب والقرار، تنتقل الدولة من موقع الاستجابة لردود أفعال الانقلاب، إلى موقع المبادرة في استعادة الدولة وصناعة السلام الذي يحميها.
التصنيف :
كتابات واراء