كعسكري، لا أتعامل مع ما جرى في المخا بعاطفة، ولا أبحث عن تبرير للأخطاء، كما لا أسمح بأن تتحول معركة واحدة إلى حكم على مسار حرب كاملة.
ما جرى كان أول اختبار حقيقي لقواتنا المسلحة بعد تشكيل اللجنة العسكرية العليا لإدارة عمليات واسعة بهذا المستوى وبهذا الحجم من النيران من كل اسلحة العدو التي يمتلكها ، ولذلك فإن قيمته العسكرية لا تكمن فقط فيما حدث على الأرض، وإنما فيما كشفه لنا.
كشفت المعركة ثغرات في إدارة العمليات، وكشفت تكتيكات العدو واسلحته ، وطريقة تحركه واستغلاله للفرص، وهذه بحد ذاتها معلومة ثمينة يمكن أن تُبنى عليها المعركة القادمة.
نحن الآن نعرف أكثر عن عدونا، ونعرف أكثر أين كانت أخطاؤنا.
وهذه ليست نقطة ضعف إذا أحسنا استثمارها، بل يمكن أن تكون نقطة تحول.
المطلوب اليوم ليس تكرار الأسلوب نفسه، وإنما تطوير إدارة المعركة: استخبارات أسرع، قيادة وسيطرة أكثر كفاءة، تنسيق أكبر بين القوات، تغيير في توزيع النيران، وتطوير صناديق القتل ، والأهم معالجة مشكلة الإتصالات ووجوب تأمينها للقوات ، بحيث يتحول ما تعلمناه في معركة المخاء إلى تفوق عملياتي في الجبهات القادمة.
وفي المقابل، هناك نجاحات كبيرة يجب ألا تُهمَّش.
فالضربات الجوية المركزة والدقيقة على الأهداف العسكرية تؤكد مستوى متقدمًا في جمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف واستهدافها بدقة، والأهم أنها تحرم مليشيات الحوثيراني الارهابية من استغلال أخطاء الضربات وتحويلها إلى مكاسب إعلامية.
أما الجبهات الأخرى، فهي لم تتوقف ، جبهات الجوف ومارب و البيضاء تشتعل وتناور وفقا لطبيعة الموقف المهمة وتحرم العدو من اي فرصة لالتقاط انفاسه وتلحق به خسائر مضاعفة .
تعز كانت ولا تزال رقمًا صعبًا، وأفشلت محاولات الحوثيراني لاكتساب الزخم واستغلال انشغال القوات في جبهة المخا، وأبقت جزءًا مهمًا من قوته تحت الضغط .
وفي المخا نفسها، فإن مليشيات الحوثيراني الارهابية لم تتمكن من تثبيت وضع مريح أو بناء سيطرة مستقرة كما كان يتمنى؛ بل فتح على نفسه جبهة مشتعلة لا يمكن ان تهدأ او تستقر ، وأدخل قواته في معركة لها كلفة بشرية وعسكرية ولوجستية لا يستطيع تحملها إلى ما لا نهاية.
وأنا على ثقة بأن المخاء ستُستعاد قريبًا بإذن الله بل ومابعد المخاء ، ولكن الأهم من استعادتها هو أن نستعيد معها المبادرة، وأن ندخل المرحلة القادمة بعقلية مختلفة، لا بعقلية رد الفعل.
وهنا يجب أن نفهم المعنى الأكبر لما حدث:
الحوثيراني عندما وصل إلى باب المندب كشف بنفسه حقيقة مشروعه.
كل تلك الشعارات عن الموت لأمريكا سقطت أمام الجغرافيا والسياسة والاستراتيجية.
فمن يرفع شعار الموت لأمريكا، ثم يسعى للسيطرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ليتحكم في من يمر ومن لا يمر ، ويحتكر التوتر في المنطقة، فإنه لا يخوض معركة شعارات؛ بل يخوض معركة نفوذ وموقع واستراتيجية وتهديد للملاحة الدولية لصالح مشروع إيراني لا علاقة لليمنيين به .
ولهذا فإن باب المندب ليس مجرد جبهة، والمخا ليست مجرد مدينة، والساحل ليس مجرد شريط جغرافي.
إنها مفاتيح في معركة أكبر.
والرسالة الأهم اليوم:
لا تقيسوا الحرب بمعركة واحدة، ولا تحكموا على الجيش من انتكاسة هنا أو تقدم هناك.
انظروا إلى الصورة كاملة:
الجبهات الأخرى تعمل بكفاءة، تعز صامدة، بل وأصبحت أقوى، القوات تعيد تنظيم نفسها، الاستخبارات تتطور، الضربات أصبحت أكثر دقة، والعدو نفسه بدأ يدفع كلفة فتح جبهات جديدة.
لقد فتح الحوثيراني على نفسه أبواب الجحيم، وكلما طال أمد هذه المواجهة ازدادت الكلفة عليه، لأن المعركة لا تُقاس بما يحققه في يوم، وإنما بما يستطيع تحمله والاستمرار فيه.
المخا كانت درسًا… وستكون بإذن الله بداية لتصحيح كثير من الأخطاء.
والحرب لم تنتهِ ، بل ما زلنا في البدايات.
بل ربما بدأت الآن تأخذ شكلًا أكثر.
التصنيف :
كتابات واراء