تكفي قراءة تحقيق «فايننشال تايمز» وتصريحات «أفريكوم» في 29 سبتمبر، إلى جانب ما كشفته «وول ستريت جورنال» وتقارير الخبراء، لفهم أن المنطقة تحتاج إلى باب جديد في فقه السياسة: زواج «متعة ومسيار» بين الحوثي و«حركة الشباب» الصومالية! زواج بلا وليّ ولا شهود ولا إعلان، لكن مهره صواريخ ومسيّرات ورادارات، وعرسه مفتوح على شواطئ باب المندب.
فـ«جبريل غعمي» — أو «الأعور» في دفاتر الأمن — القيادي في «حركة الشباب»، لم يتحرك سراً بين الصومال واليمن منذ 2023 ليقيم حدّ الردة على الحوثيين، كما توحي أدبيات التنظيمات الجهادية، بل ليعمل خطّاباً ووسيطاً بين كهوف صعدة وأحراش جيليب. وفي عالم الجماعات المسلّحة، لا تناقض بين تكفير الخصم في المنبر، والجلوس معه في غرفة السلاح حين تفتح دفاتر المال والتهريب.
ولأن «البزنس الجهادي» يحتاج إلى ستر اجتماعي، تزوج جبريل اليمنية بدور مرشد، وبنى حوله شبكة وساطة تسهّل التواصل وصفقات السلاح. ثم انتهت القصة بضربة أميركية قرب الغيضة في المهرة، وفق مصادر أميركية نقلت عنها وول ستريت جورنال. هُرّبت الزوجة إلى مكان آمن، واختارت الحركة بديلاً في اليمن؛ فالموت لا يفسد للود المسلح قضية، و«بيت الطاعة» في هذه الزيجات ليس منزلاً، بل خط تهريب بين ضفتي خليج عدن.
المشهد لا يقف عند وسيط قُتل أو زوجة هُرّبت. تقول تقارير أميركية إن الحوثيين أرسلوا وفداً من أربعة عناصر إلى جيليب، معقل «حركة الشباب»، وإن 100 عنصر من الحركة على الأقل انتقلوا إلى اليمن للتدرب على المسيّرات والمتفجرات. أما الخبير الأممي السابق مات برايدن، فيرفع سقف الصورة أكثر، مقدّراً أن ما يصل إلى 1,500 مقاتل من «حركة الشباب» وفصائل صومالية أخرى قد تلقوا تدريباً لدى الحوثيين.
تقول: كيف يجتمع «الزيدي» مع «القاعدي» على فراش واحد؟ أقول: لا تظلم الفراش؛ فالمشكلة في دفاتر الحسابات. المتنبي قال: «ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد»، وأنا أبرّئ الحر من الجماعتين. فهتلر وستالين تقاسما بولندا سنة 1939، وطهران اشترت صواريخ «تاو» في فضيحة إيران–كونترا، فيما كانت إذاعاتها تصدح بـ«الموت لإسرائيل». الأيديولوجيا في الشرق الأوسط تصلح للميكروفون، أما في الغرف المغلقة فالسلاح والدولار هما المذهب الرسمي.
«حركة الشباب» تملك المال والعناصر والجغرافيا الأفريقية، لكنها تحتاج إلى قدرات أعلى تحميها من الاستهداف الجوي وتمنحها عيناً على البحر. والحوثي يملك ترسانة وخبرة إيرانية، لكنه يحتاج إلى عمق بشري ومالي، وإلى ضفة أفريقية توسّع مدى الرصد والتهديد. لذلك يحذر قائد «أفريكوم» داغفين أندرسون من أن العلاقة المتصاعدة قد تمنح الحركة قدرات أكثر تطوراً، فيما تسمح للحوثيين بالسعي إلى نشر رادارات في مناطق الحركة لمراقبة الملاحة في خليج عدن والمحيط الهندي.
ليست المسألة إذاً تهريب بندقية أو صفقة ذخيرة، بل مشروع لتثبيت فكّي كماشة حول باب المندب: فك يمني في صعدة والمخا وميون، وفك أفريقي في جيليب والساحل الصومالي. وممر كهذا يمر عبره نحو 15% من التجارة البحرية العالمية لا يصلح في قاموس طهران ووكلائها إلا «دكان جباية»؛ رسوم عبور تُدفع تحت التهديد، أو أزمة شحن تتضخم كلما احتاجت الجماعة إلى مال أو تفاوض أو استعراض قوة.
لكن من ظنوا أن الساحل ملعب مفتوح اكتشفوا أن اللعبة بدأت تنقلب. يكتب الباحث السعودي نواف عبيد أن التقدم الحوثي في الساحل استفاد من تكامل قدرات استخبارات روسية–إيرانية، من أقمار وصور وإشارات إلى تشويش واستغلال فجوات التنسيق. ثم يقول إن ضربات 19 سبتمبر أصابت بنية قيادة عليا مرتبطة بإيران في صنعاء، وأوقعت، بحسب تقديره، لواءين وسبعة عمداء و32 عقيداً حوثياً، مع أطقم اتصالات وخبراء أجانب.
الخلاصة أن باب المندب لم يعد ملفاً يمنياً منفصلاً ولا أزمة صومالية بعيدة. إنه عقدة واحدة: صعدة، جيليب، طهران، والبحر. ومن لا يقطع شبكة السلاح والمال والرادار بين هذه العواصم والقرى، سيستيقظ يوماً ليجد أن شهر العسل بين الأئمة والقراصنة صار مؤسسة دائمة عند بوابة العالم.
التصنيف :
كتابات واراء