اتفاق الرياض بعد ست سنوات: بين انحراف الانتقالي عن روح الشراكة وتحول الاتفاق إلى وثيقة مرجعية منسية


د. علي العسلي

تمرّ الذكرى السادسة لاتفاق الرياض، لا كحدثٍ سياسيٍّ يمكن تجاوزه، بل كعلامةٍ فارقةٍ في مسار الدولة اليمنية، وكفرصةٍ لإعادة قراءة ما جرى وما لم يجرِ. ففي السادس من نوفمبر 2019، وُقّع الاتفاق برعايةٍ سعوديةٍ سخيةٍ ودعمٍ دوليٍّ واسع، ليكون جسرًا نحو لملمة الصف الجمهوري – وهو ما بات اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى – وتوحيد الشرعية في مواجهة الانقلاب الحوثي. غير أنّ ما تلا ذلك جاء معاكسًا لمقاصده وروحه، إذ تحوّل الاتفاق إلى وثيقةٍ مؤجلة التنفيذ، وأحيانًا إلى ورقةِ ضغطٍ في يد من أراد توسيع نفوذه أكثر من رغبته في بناء الدولة. 

لقد كان الاتفاق محاولةً لتضميد جرحٍ داخليٍّ في جسد الشرعية، لا لتقاسم سلطةٍ بين شركاء متشاكسين. لكنه وُوجه منذ البداية بمنطقٍ فئويٍّ ضيّق من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تعامل معه كأداة تمكينٍ لا كالتزامٍ وطني. فقد نظر الانتقالي إلى عدن وكأنها غنيمة، لا عاصمةً مؤقتةً للدولة، فأبقى مؤسساتها تحت سيطرة السلاح. ولا تزال الترتيبات الأمنية والعسكرية، التي كانت حجر الزاوية في الاتفاق وفي المشاورات اليمنية–اليمنية اللاحقة بالرياض، وكذلك في إعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، تراوح مكانها.
وقد أصبح اللواء عيدروس الزبيدي عضوًا في المجلس الرئاسي ممثلًا عن الانتقالي لا عن الجنوب، بينما بقي تنفيذ تلك الترتيبات في حكم المؤجل. في المقابل، التزمت الحكومة الشرعية بالممكن سياسيًا، وحافظت على خطاب الدولة، فيما الطرف الآخر تمترس خلف منطق “التمكين الجنوبي” الذي عطّل ما تبقّى من فرص الشراكة.

ومع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، كان الأمل كبيرًا بأن يتحوّل الاتفاق إلى واقعٍ مؤسسيٍّ جديد. فالمجلس لم يكن تجاوزًا للاتفاق، بل امتدادًا له وترجمةً لمبدأ توسيع قاعدة السلطة في إطار الشرعية. غير أنّ الانتقالي، الذي نال تمثيلًا مضاعفًا فيه، تصرف وكأن الشراكة تفويضٌ بالهيمنة، لا مسؤوليةٌ بالمشاركة. ظلّ يطالب بالمزيد من الامتيازات، ويضع العراقيل أمام تنفيذ البنود الأمنية، ناسفًا بذلك جوهر الاتفاق وروحه.

لم يكن الدور الإقليمي بعيدًا عن هذه التعقيدات. فالسعودية والإمارات، راعيتا الاتفاق، اختلفتا – فيما يبدو – في ترتيب الأولويات بين السياسي والأمني، مما أوجد فراغًا في المتابعة. وقد وُلدت هدنةٌ هشة بالتزامن مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أوقفت بموجبها المملكة والتحالف العربي جميع عملياتهم العسكرية المساندة للشرعية. ومع تبدّل أولويات المنطقة، من الانفتاح الخليجي على إيران إلى انشغال العالم بملف غزة واليمن، تراجع زخم اتفاق الرياض دون أن يفقد رمزيته كوثيقةٍ مرجعيةٍ للسلام داخل معسكر الشرعية. غير أن غياب الزخم لا يعني سقوط الاتفاق، بل يؤكد حاجته إلى إرادة تجديدٍ وتنفيذ، لا إلى نعيٍ سياسي.

ازدواجية المجلس الانتقالي في مفهوم الشراكة باتت جلية للعيان. فهو يتمسك بالاتفاق حين يخدم مصالحه، ويتنكر له حين يُذكّره بحدوده. يرفع شعار “الشراكة الوطنية” وهو يرفض أبسط مظاهر الدولة الواحدة. ولعلّ الهجوم الأخير على وزير الخارجية الدكتور شايع محسن الزنداني، لمجرد تأكيده أن الحكومة لا تناقش خيار “الدولتين”، يكشف حجم الانحراف عن روح الاتفاق. فتصريح الوزير لم يكن استفزازًا، بل تأكيدًا على الثوابت الوطنية والمرجعيات الثلاث التي يستند إليها الاتفاق ذاته. فكيف يُهاجم من ينطق باسم الدولة، ويُسكت عمن يخرق روح الاتفاق صباح مساء؟

بعد ست سنواتٍ من التعثر، يبدو اتفاق الرياض وكأنه وثيقة تنتظر من يوقظها من سباتها. ما زال يشكّل مرجعيةً سياسيةً وطنية، لكنه بحاجةٍ إلى تحديثٍ في آليات التنفيذ وضماناتٍ إلزاميةٍ تُحوّل الرعاية الإقليمية من مجرد وساطة إلى أداة تنفيذٍ حقيقية. فالشرعية ليست غنيمةً سياسيةً لأحد، بل مسؤولية وطنية مشتركة، ومن يقوّضها إنما يقوّض مشروع الدولة ذاته.

يمكن القول إن اتفاق الرياض لم يفشل نصًا، بل أُفشل تنفيذًا. أُريد له أن يكون جسرًا نحو الدولة، فإذا به يتحول إلى منصةٍ للمزايدة السياسية. ومع ذلك، يبقى آخر خيطٍ ممكنٍ لوحدة الصف الجمهوري، إن أُمسك به بعقل الدولة لا بعقل المليشيا. إن منطق المغالبة لا يصنع شراكة، ومن يستثمر الاتفاق تكتيكيًا يضعف فرص السلام ويقوّض فكرة الوطن.

والمطلوب اليوم ليس اتفاقًا جديدًا، بل إرادةٌ جديدةٌ تنفخ الروح في وثيقةٍ ما زالت قادرةً على إنقاذ ما تبقّى من الحلم اليمني في استعادة دولته، بروحٍ وطنيةٍ لا جهوية، وبمنطق الدولة لا منطق الفصيل. فالمعركة الحقيقية لم تعد بين شمالٍ وجنوب، ولا بين شرعيةٍ ومليشيا، بل بين من يؤمن بالدولة ومن يستثمر في غيابها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال