لم يعد التعليم في اليمن ضحية جانبية للحرب، بل أصبح هدفًا مباشرًا لسياسات ممنهجة تنتهجها جماعة الحوثي، ضمن مشروع متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع بالقوة، وتجريف الهوية الوطنية، وتحويل المدرسة من مساحة آمنة لبناء الإنسان إلى أداة للصراع والتعبئة والعسكرة.
إن ما يتعرض له قطاع التعليم اليوم يمثل أحد أخطر أنماط الانتهاكات الجماعية، لأنه لا يستهدف الحاضر فحسب، بل يضرب المستقبل في جذوره، ويقوّض أي أمل بإعادة بناء الدولة أو تحقيق سلام مستدام.
*أولًا: أكثر من 3 ملايين طفل خارج التعليم…جريمة مركبة بحق الطفولة*
حرمان أكثر من 3 ملايين طفل يمني من حقهم في التعليم ليس مجرد نتيجة عرضية للنزاع، بل نتاج سياسات متعمدة مارستها جماعة الحوثي عبر تدمير البنية التعليمية، وتحويل ما يقارب 2900 مدرسة إلى ثكنات عسكرية ومخازن أسلحة، واستخدامها لأغراض قتالية، في انتهاك صريح لمبدأ حياد المؤسسات التعليمية.
إن هذا السلوك يُعد خرقًا فاضحًا لاتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المواد (28) و(29)، التي تكفل الحق في التعليم وتُلزم أطراف النزاع بحمايته. كما يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية خاصة للأعيان المدنية، وفي مقدمتها المدارس.
الأخطر من ذلك أن تحويل المدارس إلى أهداف عسكرية محتملة يعرّض الأطفال لمخاطر القتل والإصابة والتشريد، ويخلق بيئة خوف دائم، ويدفع الأسر إلى إبقاء أبنائها خارج التعليم، ما يؤدي إلى تسرب واسع النطاق، ويفتح الباب أمام عمالة الأطفال، والتجنيد، والانحراف، ويقضي على فرص النمو الطبيعي.
*ثانيًا: تجنيد الأطفال وتحويل المخيمات الصيفية إلى معسكرات حرب*
تُعد ممارسة تجنيد الأطفال من أخطر الجرائم التي ترتكبها جماعة الحوثي، حيث جرى تحويل ما يسمى بـ«المخيمات الصيفية» إلى معسكرات مغلقة للتدريب العسكري والتعبئة الأيديولوجية، يتم فيها عزل الأطفال عن أسرهم، وإخضاعهم لبرامج غسل دماغ ممنهجة، تُحوّل التعليم إلى وسيلة للحرب لا للحياة.
هذه الممارسات لا تنتهك فقط اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، بل ترقى – وفق المعايير الدولية – إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
إن تجنيد الأطفال لا يدمّر طفولتهم فحسب، بل يزرع العنف في نسيج المجتمع، ويعيد إنتاج الصراع عبر أجيال جديدة، ويُحدث آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد، تشمل اضطرابات نفسية حادة، وانعدام القدرة على الاندماج المجتمعي، وتحويل الأطفال إلى أدوات قتل بدلًا من طلاب علم.
*ثالثًا: تجويع المعلمين وإذلالهم… استهداف متعمد لركيزة المجتمع*
يواجه أكثر من 170 ألف معلم يمني أوضاعًا إنسانية كارثية بعد حرمانهم من رواتبهم لما يقارب عقدًا من الزمن، في واحدة من أكثر صور العقاب الجماعي قسوة. فقد جرى تجويع المعلمين وإذلالهم بشكل منهجي، ودفع الكثير منهم إلى ترك مهنة التعليم بحثًا عن لقمة العيش.
ولم تكتفِ جماعة الحوثي بذلك، بل عمدت إلى استبدال المعلمين المؤهلين بعناصر موالية لها، وفرض مناهج تعليمية مؤدلجة، تهدف إلى تشويه الوعي الجمعي، وطمس الهوية الوطنية، واستبدال قيم التعايش والمواطنة بثقافة العنف والطائفية.
إن استهداف المعلم هو استهداف مباشر لمستقبل اليمن، وانتهاك صريح للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويُعد جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون انتهاكًا قانونيًا، لأنه يقوّض أساس العملية التعليمية، ويحوّل المدرسة إلى أداة للسيطرة الفكرية بدلًا من بناء الإنسان.
*الأبعاد الإنسانية والقانونية لهذه الجرائم*
إن ما يجري في قطاع التعليم في مناطق سيطرة جماعة الحوثي يُشكّل نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة، التي تستوفي أركان المسؤولية الجنائية الفردية والجماعية، وتستوجب المساءلة الدولية، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية أو عسكرية.
كما أن استمرار هذه الممارسات في ظل صمت دولي مقلق، يفاقم معاناة ملايين الأطفال والمعلمين، ويُسهم في إطالة أمد النزاع، ويقوّض فرص السلام، لأن أي تسوية سياسية لا تستند إلى حماية التعليم وإعادة الاعتبار له، ستظل تسوية هشة وقابلة للانهيار.
*رسالة أخيرة إلى المجتمع الدولي*
إن التعليم في اليمن يتعرض اليوم لعملية تدمير ممنهجة، تستدعي تحركًا عاجلًا من الأمم المتحدة، واليونسكو، واليونيسف، ومجلس حقوق الإنسان، وجميع الآليات الدولية المعنية، من أجل:
• وقف عسكرة التعليم فورًا
• حماية المدارس والمعلمين
• إنهاء تجنيد الأطفال
• مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم
• وضمان حق ملايين الأطفال في تعليم آمن ومحايد
*فالتعليم ليس ساحة حرب، والطفولة ليست وقودًا للصراعات، والمعلم ليس أداة للإذلال وأي تهاون دولي في مواجهة هذه الجرائم هو مشاركة غير مباشرة في تدمير مستقبل اليمن*
التصنيف :
كتابات واراء