‏حين تُختصر كرامة الإنسان في نصف متر‏بقلم: محمد أحمد العمدة ⁦‬رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات



‏ليست صورة عابرة، ولا مشهدًا من خيال مظلم، بل واقع موثق لزنزانة حقيقية في جزيرة سقطرى، لا تتجاوز مساحتها نصف متر عرضًا ومترًا طولًا. 

‏مساحة لا تصلح حتى لتخزين أدوات، لكنها استُخدمت لاحتجاز إنسان حي في انتهاك فج لكل المعايير الإنسانية والقانونية.

‏في هذه الزنزانة، قضى أحد العمال من محافظة إب خمسةً وعشرين يومًا كاملة. نام على أرضٍ عارية، بلا فراش ولا غطاء، بلا نافذة ولا تهوية. وحتى أبسط حقوق الإنسان الفطرية، كقضاء الحاجة، جُردت منه؛ إذ كان يُجبر على التبول عبر بابٍ حديدي يفتح إلى الخارج، في مشهد مهين لا يمكن وصفه إلا بأنه كسرٌ متعمد للكرامة الإنسانية.

‏*تأمّلوا حجم الطوبة (البلوك) الظاهرة في الصورة، ثم حاولوا ولو للحظات أن تتخيلوا أنفسكم داخل هذه المساحة لساعات، لا لأيام تخيّلوا الاختناق، العزلة القسرية، فقدان الإحساس بالزمن، والانهيار النفسي الذي يسبق أي ألم جسدي هذا ليس احتجازًا، بل تعذيبٌ ممنهج يمارس بصمت، بعيدًا عن أعين الرقابة والمساءلة.*

‏هذه السجون، بما فيها هذه الزنزانة، ليست نتاج تصرفات فردية أو تجاوزات معزولة، بل سجون أنشأتها دولة الإمارات العربية المتحدة، وأشرفت عليها، وتولت إدارتها بشكل مباشر عبر تشكيلات مسلّحة خارج إطار الدولة اليمنية وهو ما يجعل المسؤولية قانونية كاملة ومباشرة، لا تقبل الالتفاف أو الإنكار.

‏إن ما جرى في سقطرى، كما في غيرها من المناطق، يعكس نمطًا ممنهجًا في إدارة المناطق الخاضعة للنفوذ الإماراتي، قائمًا على القمع، والإذلال، وإنشاء مرافق احتجاز غير قانونية، بعيدًا عن أي سلطة قضائية أو رقابة مستقلة، في انتهاك صارخ للدستور اليمني، وللقانون الدولي الإنساني، ولاتفاقيات مناهضة التعذيب.

‏هذه الشهادة ليست استدرارًا للتعاطف، بل بلاغ إنساني وحقوقي موجة إلى الضمير العالمي. فالصمت على هذه الجرائم لا يعني الحياد، بل يُكرّس الإفلات من العقاب والكرامة الإنسانية لا تُجزّأ، ولا تُعلق بحسابات السياسة، ولا تسقط بالتقادم.

‏*سيظل واجبنا الأخلاقي والحقوقي هو كشف الحقيقة كاملة، وتسمية المسؤولين عنها دون مواربة، والمطالبة بمساءلة كل من أنشأ، وأشرف، وأدار، ونفّذ. لأن الإنسان لا يجب أن يُحتجز في نصف متر…ولا أن تُدار حياته وكرامته بقرار أمني صادر من خارج القانون*

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال