ليس المطلوب اليوم تتبّع أسماء الوزراء ولا الغرق في شخصنة أدوارهم وسيرهم الذاتية، بل التوقف أمام الحقيقة الأوضح: أن الحكومة قد تشكّلت، وأن قرار إعلانها صدر وتحمل مسؤوليته الدستورية رئيس مجلس القيادة الرئاسي بعد توافق أعضائه. وفي بلدٍ ينتظر فيه المواطن استعادة العاصمة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، وراتبًا يتأخر، وكهرباءً تنطفئ، وعملةً تتآكل قدرتها يومًا بعد آخر، يصبح الوقت أثمن من أي جدلٍ سياسي، وتغدو الأولوية لما يمكن أن تفعله الحكومة الآن، لا لمن يشغل مقاعدها.
في الدول المستقرة يُقاس الأداء بزمنٍ مريح، أما في الدول المرهقة فيتحول الزمن ذاته إلى رأس المال الوحيد. كل يوم بلا قرارٍ محسوب خسارة مركبة، وكل تأخير غير مبرر يوسّع مساحة الفوضى. ومن هنا تكتسب الأيام المئة الأولى معناها الحقيقي بوصفها اختبارًا وجوديًا: إما استعادة الحد الأدنى من حضور الدولة ووظيفتها، أو الانزلاق إلى إدارة العجز وتطبيع الانهيار. هذه الفترة ليست لإنجاز كل شيء، بل لوقف النزيف وتحديد موضع الخلل بدقة قبل أن تضيع البقية.
البداية المنطقية لا تكون بالوعود الكبيرة ولا بالحضور الإعلامي، بل بإعادة تثبيت مركز القرار داخل كل وزارة، لأن ارتخاء الحلقة القيادية يعني غياب الدولة في أدق مفاصلها. ويترافق ذلك مع تجميدٍ مؤقت للتعيينات والعقود غير الضرورية حمايةً للقرار العام في لحظة انتقالية رمادية، ومع مصارحة مهنية تكشف الفجوة بين التقارير المكتوبة والواقع الفعلي عبر أسئلة مباشرة عمّا يُنجز فعلًا، وما الذي يعيق العمل، وما الممكن تحقيقه سريعًا.
وحين تتضح الصورة الأولية، يصبح النزول الميداني فعل معرفة لا استعراض حضور. فالحقيقة في اليمن لا تُرى من خلف المكاتب، بل في تماسٍّ مباشر مع مناطق متفاوتة الاستقرار والقدرة الاقتصادية والتأثر بالحرب. هناك فقط يمكن قياس الموارد المتاحة، وحجم الفاقد، والفرص السريعة منخفضة الكلفة، والمخاطر التي قد تعرقل أي إصلاح. ومن دون هذا التشخيص الواقعي تتحول الخطط إلى نصوص جميلة بلا أثر، ويتحوّل الوقت إلى خصمٍ صامت يراكم الخسائر.
أخطر ما قد تقع فيه الحكومة الجديدة هو توسيع قائمة الأولويات حتى تفقد معناها. فالتجربة تقول إن القليل المنجز أفضل من الكثير المعطّل، وإن التركيز على عدد محدود من التدخلات القابلة للقياس والتنفيذ السريع يخلق أثرًا تراكميًا يعيد الثقة تدريجيًا. فالمسؤولية الواضحة، والجدول الزمني المحدد، ومؤشرات الأداء القابلة للمراجعة، ليست تفاصيل إدارية، بل شروطٌ لتمييز الفعل الحقيقي من إدارة الوقت الضائع.
ومن اليوم، بعد إعلان الحكومة، وحتى اقتراب نهاية المئة يوم، لا يُقاس الامتحان بحجم الخطابات أو المظاهر الإعلامية، بل بمدى الصدق مع الذات والقدرة على ترجمة القرارات إلى أفعال ملموسة. كشف حساب صريح يوضح ما تحقق وما تعثر، ولماذا حدث ذلك، هو الخطوة الأولى لاستعادة ثقةٍ تآكلت طويلًا. فالدول لا تستعيد هيبتها بالشعارات، بل بالاعتراف بالواقع، ثم التصحيح الجاد لما يحتاج إلى تعديل. وعندها فقط، يمكن أن تتحول الحكومة من مجرد تشكيل إداري جديد إلى أداة فعلية توقف التدهور، وتفتح نافذة أمل محسوسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، قبل أن يسمعها في أي خطاب رسمي.
وفي هذا السياق، يكتسب حديث دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني قبل قليل دلالته العملية، إذ يؤكد إدراك الحكومة لعِظَم المسؤولية الوطنية، والتزامها بالعمل بروح الفريق الواحد والتعاون مع كافة القوى الوطنية لخدمة المواطن والتخفيف من معاناته. كما يوضح أولويات المرحلة المقبلة بجلاء، من تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، إلى تعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء بما يسهم في انهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار. وهذا النهج يتناغم مع الحاجة الملحّة لتحويل التوافق السياسي إلى برنامج عملي قابل للتنفيذ ويشعر به المواطن على أرض الواقع.
إن تأكيد مجلس القيادة الرئاسي دعم الحكومة، وتسريع عمل مؤسسات الدولة من الداخل، والمضي في الإصلاحات، وتحسين معيشة المواطنين، يوفّر الإطار السياسي الضروري، لكنه يترك الامتحان الحقيقي في ميدان التنفيذ. وهنا تحديدًا تتحدد قيمة الحكومة بما تحققه على أرض الواقع، لا بما يُقال عنها، وبقدرتها على تحويل القرار إلى أثرٍ يلمسه الناس في معيشتهم وأمنهم واستقرارهم. وعندما تنجح الدولة في ترجمة الوعود إلى نتائج ملموسة، يغدو الأمل مشروعًا ممكنًا لا انتظارًا طويلًا، وتبدأ ملامح التعافي بالظهور خطوةً بعد أخرى في حياة وطنٍ يستحق أن يستعيد عافيته.
التصنيف :
كتابات واراء