مع عودة عدد من الوزراء إلى العاصمة المؤقتة عدن، وترقب التحاق بقية أعضاء الحكومة، تتجه الأنظار إلى خطوة يفترض أن تكون مفصلية في مسار المرحلة الحالية.
فوجود الحكومة بكامل أعضائها على الأرض ليس تفصيلًا إداريًا، بل رسالة سياسية ومؤسسية تعني استعادة هيبة الدولة، وتعزيز حضورها الفعلي في حياة المواطنين.
لقد طال انتظار الناس لدولة تعمل من الداخل، لا من الخارج. سنوات من التقصير والاضطراب جعلت المواطن يفقد الثقة في قدرة المؤسسات على أداء دورها. واليوم، لا يكفي إعلان العودة، بل المطلوب التزام كامل بأن تكون عدن مقرًا دائمًا لممارسة المهام، وإدارة الملفات، ومتابعة التنفيذ، وتحمل المسؤولية المباشرة أمام الشعب.
المرحلة الراهنة صعبة وحساسة، والتحديات كبيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الخدمي. كما أن هناك من لا يرغب في استقرار المشهد، وأيادي خفية تسعى إلى إرباك الوضع واستثمار أي فراغ. غير أن كفة الميزان يمكن أن تتعدل إذا توفرت الإرادة، وإذا شعر المواطن بأن الدولة حاضرة بقوة ومتماسكة في قراراتها.
لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في ظل حكومة تعمل من الخارج. إدارة الدولة عن بُعد أثبتت محدوديتها، وخلقت فجوة بين القرار وواقع الناس. أما التواجد الكامل في عدن، فيمنح الحكومة القدرة على المتابعة الدقيقة، والرقابة المباشرة، والتفاعل السريع مع الأزمات.
المواطن الذي أنهكته الأزمات لا يبحث عن صراعات سياسية جديدة، ولا عن مناكفات لا يستفيد منها سوى العدو. ما يريده ببساطة هو خدمات منتظمة، ورواتب مستقرة، وأمن حقيقي، وإحساس بأن الدولة تحميه وتدافع عن حقوقه.
إن حصول الناس على مستحقاتهم، وتحسين الخدمات الأساسية، وضبط الأداء الإداري، كفيل بخلق بيئة مستقرة. فالمجتمع الذي يلمس التغيير الفعلي لن يقبل بعودة الفوضى، ولن يسمح بزعزعة الأمن مهما كانت المحاولات.
استعادة هيبة الدولة لا تكون بالشعارات، بل بالحضور والانضباط وتطبيق القانون. ومن يسعى إلى إثارة الفوضى أو إرباك المشهد، يجب أن يجد أمامه مؤسسات فاعلة وقانونًا يُطبق بعدالة وحزم. لقد أُهدرت سنوات طويلة في دوامة عدم الاستقرار، ولم يعد مقبولًا استمرار هذا النزيف.
عودة الحكومة بكاملها إلى عدن تمثل فرصة حقيقية لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. إنها لحظة اختبار جاد: إما أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار وترسيخ المؤسسات، أو تضيع كما ضاعت فرص سابقة.
ما يطمح إليه الجميع هو وطن مستقر، بلا تشظي ولا صراعات عبثية. دولة تعمل من الداخل، وتضع المواطن في صدارة أولوياتها، وتثبت أن حضورها ليس شكليًا بل مسؤولية كاملة تجاه شعبها.
اليوم، المطلوب وضوح في القرار، وثبات في الموقف، وإرادة لا تتراجع. فالدولة حين تحضر بقوة على أرضها، يحضر معها الأمل.
التصنيف :
كتابات واراء