في خضمّ الدعم السعودي الأخير للموازنة اليمنية، ومع تأكيد القيادة الشرعية برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي أن الشراكة مع المملكة خيارٌ استراتيجي لمستقبل أكثر إشراقاً، تتكشّف الفوارق العميقة في فهم كل طرف لمعنى الدولة، ولمفهوم العلاقة مع الخارج، ولحدود المصالح والسيادة.
فخامة الرئيس، وهو يتحدث باسم الشرعية، لم يتعامل مع الدعم السعودي باعتباره منحة عابرة، بل بوصفه امتداداً لمواقف المملكة المشرفة إلى جانب الشعب اليمني وقيادته السياسية. توجيهات الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومتابعة محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، والعمل الوثيق مع الفريق السعودي بقيادة خالد بن سلمان بن عبدالعزيز عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والتي أفضت إلى تخصيص 1.3 مليار ريال سعودي لتغطية رواتب موظفي الدولة، قُرئت في خطاب الشرعية كرسالة ثقة بمسار التعافي، وبقدرة الحكومة على النهوض بمؤسساتها، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإحداث التحول المنشود.
هكذا تُعرّف الشرعية العلاقة: شراكة دولة مع دولة، تقوم على المصالح المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، وتكامل الأمن الإقليمي، وفي المقدمة أمن الخليج والجزيرة العربية باعتباره عمقاً استراتيجياً لا ينفصل عن استقرار اليمن. فالجغرافيا هنا ليست حدوداً مرسومة على الخرائط فحسب، بل منظومة أمن ومصير مشترك، إذا اضطرب طرفها اختلّ توازنها كله.
الدعم المالي، في هذا السياق، لا يُقرأ كرقم يُضاف إلى بند الرواتب في الموازنة، بل كرسالة سياسية واستراتيجية تؤكد أن استقرار اليمن ليس شأناً داخلياً معزولاً، بل ركيزة من ركائز أمن المنطقة بأسرها. إنه تعبير عن إدراك مشترك بأن إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية، وترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز قدراتها السيادية، هي مسؤولية تكاملية بين الأشقاء، لا علاقة وصاية، ولا ساحة نفوذ، ولا تبادل أدوار خفية.
بهذا الفهم، تصبح الشراكة إطاراً لحماية المصالح المتبادلة، لا باباً للتبعية، ويغدو الأمن الخليجي واليمني معادلة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فاستقرار عدن وصنعاء ينعكس على الرياض وأبوظبي، كما أن استقرار الخليج يمنح اليمن فرصة النهوض. إنها علاقة تكامل استراتيجي، لا علاقة إملاء أو ارتهان.
في المقابل، يطلّ من صنعاء خطاب مختلف تماماً في لغته وأولوياته واتجاه بوصلته. خطاب يتحدث عن “إرغام السعودية دبلوماسياً أو عسكرياً”، وعن “انتزاع التعويضات والاستحقاقات”، وكأن الجماعة تتحدث من موقع المنتصر الذي يفرض شروطه، لا من واقع بلدٍ مثقل بالجراح، منهك الاقتصاد، ممزق المؤسسات، تتآكل عملته ويئنّ شعبه تحت أعباء الحرب والانقسام.
هذا الخطاب لا يقف عند حدود المطالب المعيشية المشروعة، بل يتجاوزها إلى سردية أيديولوجية توسّعية، تمزج بين الدين والسياسة في صيغة تعبويّة تجعل الصراع أبعد من كونه نزاعاً سياسياً داخلياً، وأوسع من كونه خلافاً إقليمياً عابراً. تُستدعى مفردات “الاستخلاف” و“التمكين” و“الهيمنة على الطغاة”، لا في سياق إصلاح دولة وطنية أو بناء مؤسسات، بل في إطار مشروع يتخطى حدود اليمن، ويضعها في قلب معادلات تتجاوز جغرافيتها ومصلحتها المباشرة.
هنا تتحول القضية من تحسين معيشة الناس إلى تثبيت سردية كبرى، ومن استعادة المرتبات إلى رفع سقف المواجهة، ومن بناء الدولة إلى توسيع مساحة الخطاب. وكأن اليمن ليس وطناً يبحث عن الاستقرار، بل منصة لصراع أوسع، يُعاد تعريف أولوياته وفق حسابات تتجاوز حدوده وتعيد ترتيب معاناته في سلم أولويات لا يبدأ من المواطن ولا ينتهي عنده.
المفارقة الأشد وضوحاً أن لغة التهديد والتصعيد تطلّ من جديد تجاه السعودية والولايات المتحدة، رغم وجود تفاهمات سابقة لخفض التصعيد وعدم الاستهداف، جرت بوساطات إقليمية. ففي الوقت الذي تُفتح فيه قنوات دعم اقتصادي، وتُضخ المليارات لدفع الرواتب وتثبيت الاستقرار، يرتفع سقف الخطاب إلى مستوى المواجهة الإقليمية. هنا يتجلّى التناقض: الشرعية تقدّم أولوية المرتبات والاستقرار والإصلاح، بينما يقدّم خطاب الحركة “المشروع” ولو كان الثمن استمرار الفقر واستدامة الأزمة.
الشرعية تتحرك ضمن الإطار العربي، وتعمل على تعميق علاقتها بـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاقاً من إدراكٍ سياسي بأن اليمن لا يعيش في فراغ جغرافي ولا في عزلة استراتيجية، بل في قلب الجزيرة والخليج، حيث يتداخل الأمن والاقتصاد والمصير. وهي، في هذا المسار، لا تبحث عن مظلة ظرفية، بل عن تموضع طبيعي يعيد اليمن إلى عمقه العربي، ويؤسس لتكاملٍ اقتصادي وأمني ينعكس استقراراً على الداخل قبل الخارج.
في المقابل، يسقط الحوثي خطابه في سياق ارتباطات تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية، ويربط أوراقه بحسابات إقليمية أوسع من حدود اليمن ومصالح شعبه. فالتصعيد الإعلامي والسياسي لا يُقرأ فقط في سياق الضغط المحلي، بل يُستحضر أحياناً ضمن توازنات تفاوضية تمسّ ملفات غير يمنية، ومنها ما يتصل بالتجاذبات حول البرنامج النووي الإيراني. وهنا تتحول اليمن من دولة تسعى إلى تثبيت مؤسساتها إلى ورقة في لعبة إقليمية أعقد.
عند هذه النقطة تتضح المعادلة الفاصلة: من يربط مصيره باستقرار المنطقة ويجعل أمنها جزءاً من أمنه هو شريك في صناعة المستقبل، أما من يربط مصيره بمشروع عابر للحدود ويجعل وطنه ساحة تصفية حسابات، فهو لا يتصرف كمظلة وطنية مستقلة، بل كوكيل ضمن معادلة أكبر منه وأبعد عن أولويات الشعب اليمني.
في لحظة الزخم التنموي وإعادة تحريك عجلة الدعم، يعود خطاب التهديد ليحاول إعادة اليمن إلى مربع الصراع. لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع اليوم ليس سؤال الشعارات، بل سؤال الاتجاه: هل نريد دولة تستثمر في الاستقرار وتحوّل الدعم إلى مؤسسات وفرص عمل وخدمات؟ أم ساحة تستثمر في التوتر، وتبقي اقتصادها رهينة خطاب تعبوي لا يبني مدرسة ولا يدفع راتباً؟
اليمن اليوم لا يحتاج مزيداً من المزايدات، بل إلى ترجمة الشراكة إلى إصلاح حقيقي، وإدارة شفافة، ومؤسسات فاعلة. وبين خيار الشراكة العربية القائمة على التكامل، وخيار الوكالة الأيديولوجية القائمة على الارتهان، يقف الشعب اليمني منتظراً دولة تحميه، واقتصاداً يعافيه، ومستقبلاً لا يُختطف مرة أخرى تحت لافتات كبرى… بينما أبسط مطالبه أن يعيش بكرامة في وطن مستقر.
التصنيف :
كتابات واراء