في الوقت الذي يحيي فيه العالم في السادس والعشرين من يونيو اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، تتجه الأنظار في اليمن إلى تحدٍ متصاعد لا يقل خطورة عن كثير من الأزمات التي أثقلت كاهل البلاد خلال السنوات الماضية. فبين تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني، برزت المخدرات كواحدة من أخطر التهديدات التي تتسلل بصمت إلى المجتمع، مستهدفة فئة الشباب ومهددة الأمن الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة.
ورغم أن المخدرات لم تكن في السابق من القضايا الأكثر حضوراً في المشهد اليمني، إلا أن التحولات التي شهدتها البلاد خلال أكثر من عقد من الزمن أوجدت بيئة معقدة ساهمت في تنامي هذه الظاهرة، سواء عبر شبكات التهريب أو أنشطة الترويج أو ازدياد أعداد المتعاطين في بعض المناطق.
بيئة مثالية لانتشار الآفة
أفرزت سنوات الصراع في اليمن ظروفاً استثنائية ساعدت على تمدد تجارة المخدرات، بدءاً من ضعف الرقابة على بعض المنافذ والطرق، مروراً بتراجع الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة، وانتهاءً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يعاني منها ملايين اليمنيين.
وفي المجتمعات التي تعاني من النزاعات الممتدة، غالباً ما تستغل شبكات الجريمة المنظمة حالة الاضطراب لتوسيع أنشطتها غير المشروعة، وهو ما يجعل المخدرات واحدة من أخطر التحديات التي تنمو بعيداً عن الأضواء، لكنها تترك آثاراً مدمرة على المدى البعيد.
ويؤكد مختصون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في كميات المخدرات التي يتم ضبطها، بل في الكميات التي تنجح في الوصول إلى الأسواق المحلية، وفي قدرة المروجين على استهداف فئات عمرية صغيرة مستغلين الحاجة والجهل وضعف الوعي.
الشباب.. الهدف الأول
في اليمن الذي يشكل الشباب فيه النسبة الأكبر من السكان، تبدو المخدرات بمثابة تهديد مباشر لرأس المال البشري الذي يعول عليه في إعادة بناء الدولة واستعادة عجلة التنمية.
وتشير قراءات اجتماعية إلى أن البطالة، وتراجع فرص التعليم، وغياب الأنشطة الشبابية، واتساع دائرة الإحباط الناتجة عن الأوضاع الراهنة في اليمن، تمثل عوامل خطرة قد تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للوقوع في فخ التعاطي.
وتحذر أوساط اجتماعية من أن خسارة شاب واحد بسبب الإدمان لا تعني فقدان فرد فحسب، بل خسارة طاقة إنتاجية ومشروع أسرة ومستقبل مجتمع بأكمله، خصوصاً في ظل حاجة اليمن إلى كل موارده البشرية للخروج من أزماته المتراكمة.
من مشكلة صحية إلى تهديد للأمن المجتمعي
لم تعد المخدرات مجرد قضية صحية ترتبط بالإدمان والعلاج، بل أصبحت قضية أمنية واقتصادية واجتماعية متشابكة.
فالتجارب الدولية أثبتت وجود علاقة وثيقة بين انتشار المخدرات وارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري، فضلاً عن استنزاف الموارد المالية للأسر والدول.
وفي اليمن، حيث تواجه المؤسسات الخدمية والاقتصادية ضغوطاً هائلة، فإن أي توسع في دائرة الإدمان يعني أعباء إضافية على المجتمع، ويهدد بخلق مشكلات أكثر تعقيداً في المستقبل.
كما أن انتشار المخدرات يسهم في إضعاف النسيج الاجتماعي وتقويض منظومة القيم، ويؤثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار، خصوصاً عندما تتحول بعض شبكات التهريب والترويج إلى مصادر تمويل لأنشطة إجرامية أخرى.
لماذا تبقى التوعية أهم من المكافحة؟
ورغم أهمية الحملات الأمنية والجهود المبذولة لضبط المهربين والمروجين، إلا أن المختصين في الشأن الاجتماعي يجمعون على أن المعركة الحقيقية تبدأ من الوعي.
فالأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة المروجين وضبط الشحنات، لكنها لا تستطيع وحدها منع شاب من الوقوع في فخ التعاطي، إذا كان يفتقر إلى المعرفة الكافية بمخاطر المخدرات وأساليب استدراجه إليها.
ومن هنا تبرز أهمية التوعية باعتبارها خط الدفاع الأول، ليس فقط لحماية الأفراد، بل لحماية المجتمع بأكمله من تداعيات هذه الآفة.
وتبدأ هذه المهمة من الأسرة التي تتحمل مسؤولية المراقبة والتوجيه وبناء جسور الثقة مع الأبناء، ثم المدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى مختلف المؤسسات الرسمية المعنية بحماية المجتمع.
الإعلام.. شريك في معركة الإنقاذ
في ظل التأثير الواسع لوسائل الإعلام التقليدية والرقمية، تبرز الحاجة إلى خطاب توعوي مستمر يتجاوز المناسبات الموسمية، ويعمل على كشف حقيقة المخدرات وآثارها الصحية والنفسية والاجتماعية.
فالمروجون يعتمدون في كثير من الأحيان على التضليل ونشر مفاهيم مغلوطة، تصور التعاطي على أنه وسيلة للهروب من الضغوط أو تحسين الحالة النفسية، بينما تؤكد الوقائع أن المخدرات تقود في النهاية إلى الإدمان والانهيار وفقدان السيطرة على الحياة.
ويؤكد مختصون أن بناء رأي عام رافض للمخدرات يمثل أحد أهم أدوات الوقاية، وأن الإعلام يمتلك القدرة على تحويل الوعي المجتمعي إلى قوة حقيقية في مواجهة هذه الظاهرة.
معركة وطنية تتطلب استنفار الجميع
وفي اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا يمكن لأي مجتمع أن ينتصر على هذه الآفة بالحلول الأمنية وحدها، كما لا يمكن ترك المواجهة لجهة واحدة مهما كانت إمكاناتها.
فاليمن الذي يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة تجعل من مكافحة المخدرات أولوية مستمرة، تقوم على التوعية والوقاية والعلاج والتأهيل والتنمية وخلق الفرص للشباب.
إن أخطر ما في المخدرات أنها تتسلل بهدوء إلى المجتمعات المنهكة بالأزمات، لكنها تترك وراءها جيلاً مهدداً ومستقبلاً أكثر هشاشة. ولهذا فإن معركة اليمن ضد المخدرات ليست مجرد معركة ضد مادة محظورة، بل معركة لحماية الإنسان والحفاظ على المجتمع وصون مستقبل الوطن.
وفي ظل ما تعيشه البلاد من ظروف استثنائية، تبقى التوعية الشاملة والمستمرة خط الدفاع الأول، والرهان الأكثر أمناً لحماية الشباب اليمني من الوقوع في براثن آفة لا تفرق بين فرد وأسرة ومجتمع، وتستهدف في نهاية المطاف حاضر الوطن ومستقبله.
التصنيف :
تقارير