إقطاعيات عائلية ومنح خارج القانون.. تقرير حكومي يكشف كيف تحولت البعثات الدراسية إلى بوابة للفساد والمحسوبية:


في بلد يواجه أزمة اقتصادية وإنسانية معقدة، تكافح فيه الدولة لتوفير المرتبات والخدمات الأساسية، يكشف تقرير حكومي رسمي عن اختلالات جسيمة في إدارة ملف التعليم العالي، موثقًا تحول المنح والبعثات الدراسية الخارجية إلى ساحة للمحسوبية والوساطات والتدخلات ومخالفات القانون.

التقرير أعدته لجنة كلفها رئيس الوزراء مطلع العام 2023، وجاء في 36 صفحة، مستندًا على مراجعة آلاف الملفات وكشوفات المبتعثين وإجراء مقابلات مع مسؤولين وموظفين في وزارة التعليم العالي وخارجها.

وخلصت اللجنة إلى منظومة من الاختلالات التي عطلت تطبيق القانون، وأضعفت معايير الكفاءة، ووسعت نطاق المحسوبية، وأهدرت ملايين الدولارات من المال العام، كان يفترض أن تُستثمر في بناء الكفاءات الوطنية وتلبية احتياجات التنمية.

ورغم تأكيد اللجنة أنها حرصت على الابتعاد عن تصفية الحسابات الشخصية أو السياسية، فإن النتائج التي توصلت إليها وجهت انتقادات حادة إلى آليات إدارة ملف الابتعاث منذ انتقال وزارة التعليم العالي إلى مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد عام 2016.

وأكدت أن الخلل لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل تحول إلى نمط متكرر في إدارة قطاع حيوي يفترض أن يخضع لأعلى معايير النزاهة والشفافية.

قانون معطل وقرارات تُدار بالتوجيهات

وكان أول ما وثقه التقرير هو تعطيل قانون البعثات والمنح الدراسية رقم (19) لسنة 2003، الذي ينص على تشكيل لجنة عليا ولجان تنفيذية تضم جهات حكومية متعددة، بهدف ضمان الشفافية والرقابة وتكافؤ الفرص.

وأكد التقرير أن هذه اللجان لم تُفعّل منذ انتقال الوزارة إلى عدن، فيما أُدير ملف الابتعاث عبر لجان داخلية محدودة الصلاحيات، وصفت اجتماعاتها بالشكلية، بينما ظلت القرارات الفعلية تتم عبر التوجيهات والوساطات، بعيدًا عن الأطر التي رسمها القانون.

وأكدت اللجنة أن تعطيل اللجان القانونية كان أحد الأسباب الرئيسية لفقدان الرقابة، وفتح الباب أمام التدخلات الشخصية، وتحويل كثير من المنح إلى قرارات فردية لا تستند إلى خطط وطنية أو احتياجات تنموية واضحة.

فوضى إدارية وتوقيعات مزورة

ورصد التقرير بيئة إدارية وصفها بأنها غير مهيأة لإدارة ملف بهذا الحجم، في ظل غياب قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، وعدم وجود أرشيف منظم لملفات المبتعثين، وهو ما صعّب حتى على اللجنة نفسها عملية المراجعة والتدقيق.

وقالت اللجنة إن هذا الفراغ الإداري فتح الباب أمام تجاوزات خطيرة، من بينها تزوير التوجيهات الرسمية وانتحال التوقيعات.

ومن أبرز الوقائع التي وثقها التقرير قضية انتحال أكثر من 80 توقيعًا منسوبًا إلى وكيل قطاع البعثات أثناء وجوده خارج البلاد، وهي قضية وصلت إلى القضاء، وأثارت تساؤلات واسعة بشأن حجم الاختراق الذي تعرض له القطاع وآليات الرقابة على قراراته.

الابتعاث لذوي النفوذ

كشف التقرير أن الابتعاث، خصوصًا في منح المساعدة المالية، لم يكن قائمًا على إعلان عام أو منافسة ومفاضلة معلنة، وإنما خضع لتوجيهات صادرة من داخل الوزارة وخارجها، إلى جانب الوساطات والمتابعات الشخصية، بما أفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من مضمونه.

وأكد أن هذه الآلية حرمت أعدادًا من الطلاب المتفوقين، خصوصًا أبناء الأسر محدودة الدخل، من فرص الابتعاث، في مقابل منح الفرصة لمن يمتلك النفوذ أو العلاقات أو القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

وأشار إلى شهادات ومؤشرات ووقائع دفعت اللجنة إلى القول إن بعض المنح تحولت إلى سلعة يتم التوسط أو المتاجرة بها، وهو ما انعكس، بحسب نتائج المراجعة، في قبول طلاب بمستويات أكاديمية متدنية، أو حتى راسبين في اختبارات المفاضلة، ضمن قوائم الابتعاث.

موجات إضافية خارج الضوابط

وخصص التقرير مساحة لما يُعرف بـ"الإضافات"، وهي الحالات التي أُلحقت بكشوفات الابتعاث بعد اعتمادها.

وكشفت الأرقام عن قفزة لافتة في هذا الملف، إذ سجل عام 2018 وحده 1565 حالة إضافة، بتكلفة تجاوزت 2.9 مليون دولار في الربع الواحد، فيما شهد الربع الثالث من العام نفسه إضافة 585 حالة دفعة واحدة.

وعادت الإضافات إلى الارتفاع بصورة ملحوظة في الربع الأخير من عام 2021، حيث لاحظت اللجنة أن غالبية هذه الحالات جاءت نتيجة توجيهات مباشرة من مسؤولين وقيادات نافذة، لا وفق احتياجات الدولة أو معايير المفاضلة.

ولاحظت اللجنة تزامن موجات الإضافات مع محطات سياسية وإدارية شهدتها البلاد، وكان يُتوقع خلالها حدوث تغييرات حكومية، معتبرة أن ذلك أدى إلى تمرير أعداد كبيرة من الملفات بصورة متسارعة وخارج المسار المعتاد.

"إقطاعيات" عائلية

ومن أكثر النتائج إثارة في التقرير، هيمنة الأقارب والعائلات على نسبة كبيرة من المنح الحكومية.

وأحصت اللجنة أكثر من 500 حالة لأشقاء مبتعثين، وأكثر من 280 عائلة حصل أفرادها على منح دراسية، بينما تجاوز نصيب بعض العائلات 16 مقعدًا، وهو رقم يفوق ما حصلت عليه جامعات حكومية بأكملها، رغم احتياجاتها الأكاديمية. 

وأوردت مثالًا بجامعة إقليم سبأ، التي تضم آلاف الطلاب وتعمل في محافظة تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين، لكنها حصلت على مبتعث واحد فقط، وهو ما اعتبرته مؤشرًا إضافيًا يظهر حجم الاختلال في توزيع فرص الابتعاث.

وأوضح التقرير أن الأقارب والعائلات يمثلون نحو 33% من إجمالي المبتعثين، ما يعكس اختلالًا واضحًا في العدالة وتكافؤ الفرص.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ رصد التقرير محاولات لتعديل الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة في بعض الكشوفات، بما يصعّب اكتشاف صلات القرابة.

وفي حالات أخرى، جرى إحلال شقيق مكان شقيقه المنقطع عن الدراسة، وكأن المنحة حق خاص بالعائلة قابل للتوارث، وليس فرصة عامة يتنافس عليها الجميع، وتُمنح على أساس الكفاءة والاستحقاق.

ورصدت اللجنة حضورًا لافتًا لأبناء مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين وشخصيات نافذة ضمن كشوفات الابتعاث، في مقابل غياب عدد من المستحقين.

انهيار معايير الاستحقاق

ومن أخطر ما رصدته اللجنة، التراجع الكبير في المعايير الأكاديمية، إذ وثق التقرير ابتعاث طلاب بمعدلات تراوحت بين الستينيات والسبعينيات لدراسة تخصصات حساسة، مثل الطب البشري وطب الأسنان والهندسة، في وقت حُرم فيه طلاب حققوا معدلات أعلى من فرص الابتعاث.

كما كشف التقرير عن ملفات ناقصة وقرارات ابتعاث صدرت اعتمادًا على صور للوثائق، أو نسخ مرسلة عبر تطبيق "واتساب"، إضافة إلى اكتشاف حالات تزوير في شهادات الثانوية العامة، بينها حالات حصل أصحابها على قرارات ابتعاث ممولة بالكامل قبل التحقق من صحة بياناتهم.

وأشارت اللجنة إلى أن هذا التساهل لا يقتصر أثره على مخالفة القانون، بل يمتد إلى جودة مخرجات الابتعاث، حيث واجه عدد من المبتعثين صعوبات أكاديمية انتهت بتغيير التخصص أو التعثر أو طلب التمديد بصورة متكررة.

إنفاق ضخم على تخصصات بسيطة

وفي الجانب المالي والعلمي، رصد التقرير ما وصفه بسوء توجيه الإنفاق العام. فبدلًا من توجيه الابتعاث إلى التخصصات النادرة التي تحتاجها البلاد، استمرت الدولة في تمويل دراسة تخصصات متوفرة في الجامعات اليمنية، مثل اللغة العربية والتربية والدراسات الإسلامية والتاريخ والإدارة وعلم الاجتماع.

وكشف عن وجود 233 مبتعثًا يدرسون تخصصات إنسانية، يمثلون نحو 36% من إجمالي المبتعثين، بتكلفة سنوية تقارب 1.73 مليون دولار، وقال إن هذه الأموال كان يمكن أن تحقق أثرًا أكبر لو وُجهت إلى تطوير الجامعات الحكومية وبرامج الدراسات العليا داخل اليمن.

وأكدت اللجنة أن استمرار هذا النمط من الابتعاث يمثل استنزافًا للموارد العامة المحدودة، في وقت تعاني فيه الجامعات الحكومية من نقص التمويل وضعف برامج الدراسات العليا.

وإلى ذلك، رصد التقرير حالات ابتعاث لتخصصات أثارت استغراب اللجنة، مثل دراسة اللغة العربية في دول غير عربية، أو دراسة اللغة الإنجليزية في دول ليست الإنجليزية لغتها الرئيسية، وهو ما اعتبرته دليلًا على غياب التخطيط وربط الابتعاث بالاحتياجات الفعلية للدولة.

تمديدات وازدواج في الابتعاث

ولم تتوقف الاختلالات عند مرحلة اختيار المبتعثين، بل امتدت إلى متابعة أوضاعهم، إذ كشف التقرير عن استمرار صرف المخصصات لطلاب تجاوزوا المدد القانونية بسنوات.

وأوضح التقرير أن بعض هؤلاء لا يزالون في مستويات دراسية متقدمة رغم ابتعاثهم منذ عامي 2010 و2011، إلى جانب منح تمديدات استثنائية بعد استنفاد المدة القانونية.

كما رصد حالات استمرارية وقرارات ابتعاث جديدة لا تستند إلى الشروط التي نص عليها القانون، فضلًا عن اكتشاف حالة ازدواج لطالب ظهر اسمه في كشوفات الابتعاث في دولتين مختلفتين، وهو ما اعتبرته اللجنة مؤشرًا على هشاشة منظومة الرقابة وغياب قاعدة بيانات موحدة.

التبادل الثقافي أقل اختلالًا

ووجدت تحقيقات اللجنة أن منح التبادل الثقافي بدت أكثر انتظامًا من غيرها، لارتباط بعضها بإعلانات رسمية وامتحانات ومفاضلات تنافسية.

ورغم ذلك، أكدت اللجنة الحكومية أن هذه المنح لم تكن بمنأى عن التدخلات، إذ رصدت حالات استبعاد لمتقدمين مستحقين وإحلال آخرين بناءً على توجيهات أو وساطات، وإن كان ذلك بدرجة أقل مقارنة بمنح المساعدة المالية والرسوم الدراسية.

30 توصية لمعالجة الاختلالات

واختتمت اللجنة أعمالها بتقديم 30 توصية اعتبرتها مدخلًا لمعالجة وإصلاح نظام الابتعاث ووضع حد للاختلالات التي رصدتها.

وتضمنت التوصيات تفعيل قانون البعثات والمنح الدراسية، وإعادة تشكيل اللجان القانونية المختصة، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية شاملة، وربط الابتعاث باحتياجات التنمية الفعلية.

كما أوصت اللجنة بوقف الابتعاث في التخصصات المتوفرة محليًا، وإعادة مراجعة ملفات المبتعثين المتجاوزين للمدد القانونية، وتشديد إجراءات التحقق من الوثائق، وإنهاء الاعتماد على التوجيهات الشخصية في منح الفرص الدراسية.

واقترحت كذلك تخصيص نسبة مستقلة من المنح للنازحين، توزع بين المحافظات التي تستضيفهم، باعتبار ذلك جزءًا من معالجة الآثار التعليمية للنزوح، مع إعادة تنظيم توزيع الحصص بين المحافظات وفق معايير سكانية وتعليمية أكثر عدالة.

وشددت اللجنة على إعادة توجيه جزء من الموارد المخصصة للابتعاث الخارجي نحو دعم برامج الدراسات العليا في الجامعات الحكومية، وفي مقدمتها الجامعات الناشئة التي توسعت خلال سنوات الحرب، بما يسهم في بناء قدراتها بدل الاستمرار في تمويل تخصصات متاحة داخل اليمن.

ورغم أن تاريخ التقرير يشير إلى مطلع العام 2023، فإن التحدي الحقيقي يظل في تحويل نتائجه إلى إجراءات عملية للمساءلة والإصلاح الفعلي، ما لم فإنه سيضاف إلى سلسلة التقارير واللجان التي انتهت نتائج تحقيقاتها دون محاسبة.

نقلا عن بران برس

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال