أفرزت المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة تحولات عميقة في بنية النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث بدا واضحًا أن طهران خرجت من هذه الجولة بخسارة نسبية لأهم أذرعها التقليدية في لبنان، ما دفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها والبحث عن ساحات بديلة لتعويض هذا التراجع. وفي هذا السياق، برزت اليمن كأولوية استراتيجية متقدمة ضمن مشروع إعادة التموضع الإيراني.
إن التحركات الإيرانية الأخيرة، بدءًا من إرسال طائرة إلى صنعاء تحمل خبراء من الحرس الثوري، مرورًا بمحاولات تفعيل خط طيران مباشر بين صنعاء وطهران، وصولًا إلى عرقلة صفقات تبادل الأسرى، تعكس رغبة واضحة في تعزيز الحضور الإيراني المباشر داخل اليمن. هذه الخطوات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سعي طهران لتعويض الفراغ الذي خلفه تراجع نفوذها في لبنان.
بالتوازي، تصاعدت نبرة التهديد من قبل الحوثيين تجاه المملكة العربية السعودية، في مقابل حالة لافتة من الصمت تجاه التطورات في البحر الأحمر وإسرائيل، وهو ما يعزز فرضية توظيف هذه الجماعة كأداة ضغط إقليمية موجهة بدقة وفق حسابات إيرانية. كما أن الحديث عن استهدافات أو تهديدات لدول خليجية أخرى مثل البحرين والكويت يدخل ضمن سياق توسيع دائرة الابتزاز السياسي.
الهدف الحقيقي من هذه الضجة لا ينفصل عن استراتيجية مزدوجة: فمن جهة، تسعى إيران إلى ابتزاز دول الخليج عبر رفع منسوب التهديد، ومن جهة أخرى، توفر هذه التوترات مبررًا لاستمرار الحضور الأمريكي في المنطقة بوصفه “العصا الغليظة” التي توازن المشهد وتضبط إيقاعه.
في المحصلة، يبدو أن اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع محلي، بل تحول إلى محور مركزي في معادلة إقليمية معقدة، تستخدمه إيران كورقة تعويض وضغط، فيما تتقاطع فوقه مصالح القوى الدولية والإقليمية في آن واحد.
غير أن الخروج من هذه الدوامة لن يتحقق إلا بتحرك حاسم من الشرعية اليمنية، يعيد زمام المبادرة إلى الداخل.
وذلك عبر دحر الحوثي، وتحرير الشمال، واستعادة الدولة والجمهورية، وعودة العاصمة صنعاء إلى حضنها الوطني.
التصنيف :
كتابات واراء