لم يكن أبرز ما خرج به الاجتماع الاستثنائي لمجلس القيادة الرئاسي هو مجرد موقفه من طلب تسيير رحلة إيرانية جديدة إلى صنعاء، بل ما كشفته المخرجات المعلنة للاجتماع من دلالات سياسية وقانونية بالغة الأهمية.
ولعل أبرز هذه الدلالات أن الطلب الإيراني ذاته حمل، في طياته، إقرارًا ضمنيًا بأن الرحلة السابقة لم تكن إجراءً مشروعًا، وأن تجاوز الأطر السيادية للدولة لا يمكن أن يصنع حقًا أو يمنح مشروعية لأمر واقع مفروض.
فقد أكدت المخرجات أن الرحلة الإيرانية التي غادرت مطار صنعاء في 3 يوليو 2026 مثّلت انتهاكًا صريحًا لسيادة الجمهورية اليمنية، وأن اضطرار إيران هذه المرة إلى تقديم طلب رسمي، عبر قيادة تحالف دعم الشرعية، لتسيير رحلة جديدة لإعادة العناصر التي سبق أن نقلتها من صنعاء، يعكس انتقالًا من سياسة فرض الأمر الواقع إلى التعامل مع القنوات الرسمية.
وهذا يؤكد حقيقة أساسية مفادها أن إدارة الأجواء والمطارات واستخدامها ليست شأنًا فصائليًا أو إقليميًا، وإنما اختصاص سيادي للدولة اليمنية وحدها.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يكون محور النقاش: إذا كانت إيران قد تقدمت بطلب، فلماذا لا تقابل الدولة اليمنية الطلب بطلب مماثل؟
فمجرد لجوء إيران هذه المرة إلى تقديم طلب رسمي، بعد أن كانت قد فرضت الرحلة السابقة دون موافقة الدولة اليمنية، يمثل فرصة سياسية وقانونية كان ينبغي استثمارها، لا الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها طلبًا لتسيير رحلة يمكن قبوله أو رفضه فقط.
فإذا كانت الحكومة اليمنية تعتبر المغادرين إلى طهران قيادات في جماعة مصنفة إرهابية وفق التشريعات اليمنية وتصنيفات الولايات المتحدة وعدد من الدول، ومتمردين على الدولة، ومعرقلين لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216، فإن المنطق السياسي والقانوني يقتضي أن تطلب الحكومة، عبر القنوات ذاتها، تسليمهم للسلطات اليمنية لمحاكمتهم وفق القانون.
فالقضية ليست في كيفية إعادتهم أو نوع الطائرة التي ستنقلهم، بل في طبيعة الأشخاص الذين يجري الحديث عن إعادتهم، والمسؤوليات القانونية والسياسية المترتبة على أفعالهم.
وقد لا تستجيب إيران لمثل هذا الطلب، لكن قيمته لا تقاس فقط بإمكانية تنفيذه، بل بما يحققه من أثر سياسي وقانوني؛ فهو يؤكد أن الشرعية لا تتعامل معهم باعتبارهم وفدًا رسميًا، وإنما باعتبارهم أشخاصًا تتهمهم بالانقلاب على الدولة، وعرقلة العملية السياسية، وإشعال الحرب، والتنصل من تنفيذ الالتزامات الدولية.
كما أنه يضع طهران أمام اختبار واضح: إذا كانت تؤكد احترامها لسيادة اليمن، فلماذا لا تتعاون مع سلطاته الشرعية في القضايا التي تمس أمن الدولة وسيادتها؟
ومن الجوانب الإيجابية التي كشفت عنها المخرجات المعلنة للاجتماع أنها أعادت التأكيد على أن الحكومة لم تغلق باب الرحلات المدنية أمام المواطنين، وأنها مستعدة لتسيير رحلات عبر الخطوط الجوية اليمنية إلى عمّان وغيرها متى توفرت الضمانات الكفيلة بحماية الطائرات وأطقمها.
كما ذكّرت المخرجات باستيلاء الحوثيين على أربع طائرات تابعة للناقل الوطني، وما ترتب على ذلك من خسائر جسيمة، بما في ذلك تدمير الطائرات المتوقفة في مطار صنعاء، إضافة إلى محاولتهم إحلال شركة "ماهان" الإيرانية محل الخطوط الجوية اليمنية، في خطوة تتجاوز البعد الخدمي إلى تكريس ارتباط جوي مباشر بين صنعاء وطهران، بما يخدم أجندات خارجية أكثر مما يخدم مصالح اليمنيين.
غير أن المخرجات أضعفت رسالتها السياسية عندما طرحت فكرة استئجار طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية لإعادة العناصر الحوثية.
فالقضية ليست في وسيلة النقل، ولا في جنسية الطائرة، وإنما في أصل الانتهاك وما ترتب عليه من آثار سياسية وقانونية.
فالحديث عن استئجار طائرة يوحي بأن النقاش انتقل من معالجة أصل المشكلة إلى البحث عن مخرج تشغيلي، بينما كان الأولى استثمار الطلب الإيراني لتعزيز الموقف السيادي والقانوني للدولة، وتحويله إلى ورقة ضغط سياسية، لا إلى مجرد ترتيبات لوجستية.
ولا يزال هذا الخيار ممكنًا.
إن السيادة لا تختزل في اسم شركة الطيران، ولا في جنسية الطائرة، وإنما تتمثل في احتكار الدولة وحدها سلطة إدارة أجوائها ومطاراتها، وتنظيم حركة الطيران، وتمثيل الجمهورية اليمنية في علاقاتها الخارجية، ومساءلة كل من ينتهك هذه الاختصاصات.
ولهذا فإن أي معالجة متماسكة ينبغي أن تربط أي ترتيبات مستقبلية بجملة من الاستحقاقات الواضحة: إعادة حقوق الخطوط الجوية اليمنية، والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالناقل الوطني، وضمان أمن الرحلات المدنية، ووقف استخدام مطار صنعاء لخدمة أجندات خارجية، والالتزام بقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216، وسائر المرجعيات الحاكمة لمسار السلام.
إن فرصة الشرعية اليوم لا تكمن في مجرد رفض رحلة "ماهان"، فهذا موقف طبيعي ومنسجم مع مقتضيات السيادة، وإنما في تحويل الطلب الإيراني نفسه إلى ورقة سياسية وقانونية تعزز موقف الدولة أمام المجتمع الدولي، وتعيد تعريف القضية على حقيقتها.
فالقضية ليست رحلة ذهاب أو عودة، وإنما اختبار حقيقي لمعنى السيادة، وحدود الشرعية، واحترام القرارات الدولية.
وعندما يأتي الطلب من الطرف الذي أقر عمليًا بأن تجاوز الدولة لا يصنع مشروعية، فإن أقل ما ينبغي أن تفعله الدولة هو أن تقابل الطلب بطلب، وأن تحول المبادرة الإيرانية من ورقة ضغط عليها إلى ورقة قوة في يدها.
فهؤلاء ليسوا ممثلين للدولة اليمنية، ولا مسافرين عاديين، كما أن استقبالهم في مكاتب المسؤولين الإيرانيين والتعامل معهم بصفة رسمية يمثل رسالة سياسية خاطئة؛ لأنه يوحي بمنح جماعة متمردة على الدولة صفة التمثيل السياسي لليمن خارج مؤسساته الشرعية. وإنما هم، وفق موقف الحكومة اليمنية، أشخاص تتهمهم بالانقلاب عليها، وعرقلة العملية السياسية، والتسبب في حرب مدمرة. ومن ثم فإن الأصل في التعامل معهم هو أحكام القانون، لا الترتيبات الاستثنائية، ولا الحلول اللوجستية التي تتجاوز جوهر القضية.
إنها لحظة سياسية تستحق أن تُستثمر بذكاء؛ فالدول لا تدير معارك السيادة بردود الأفعال، وإنما بحسن توظيف الفرص، وتحويل الدلالات والإقرارات الضمنية في مواقف الخصم إلى مكاسب سياسية وقانونية تعزز موقفها، وتخدم قضيتها أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي.
التصنيف :
كتابات واراء