سبتمبر الذي لا نرويه. سمير رشاد اليوسفي



لو كنا نعرف كيف نعامل تاريخنا، لكان لسبتمبر مسلسل طويل. لا يبدأ في ليلة قصر البشائر، فالتاريخ لا يحب البدايات المتأخرة. يبدأ من سجن في صنعاء، ومنفى في عدن أو القاهرة، وقرية تخبئ خوفها خلف بابين من الخشب.

كانت الإمامة تتمدد حيث يسهل الطريق، وتنكمش حين يصبح الطريق رجالاً. تفتح سجناً، فيخرج منه شاعر. تنفي رجلاً، فيعود إليها جيل. ثم جاءت سبتمبر، لا لتبدأ الحكاية، بل لتقول إن صبر اليمنيين، مثل كل شيء آخر، له آخر.

نرفع العلم في المدارس كل 26 سبتمبر، ونشغل النشيد، ثم نعيد الأطفال إلى بيوتهم من دون أن نشرح لهم لماذا حملوا العلم، ومن دفع ثمنه. نعطيهم علماً صغيراً للجمهورية، ثم نطلب منهم أن يحملوا ذاكرة بلد كامل.

لم أتعرف إلى الإمامة في كتاب، بل من جدتي. كانت تتحدث عن عسكري يأتي إلى مجلس جدي، يحمل بندقيته بالعرض، ويطلب فتح درفتي الباب كي تدخل كما يحملها. لم تكن تحتاج إلى ذلك، لكن السلطة تحب أن تدخل واسعة.

كان الجنود يتركون البيت أخف مما وجدوه: طيرٌ ذُبح، وبهيمة أُخذت. وفي مرة غاب فيها رب البيت، ضاقت جدتي بأحدهم فضربته بـ«مِجحي» العصيد. لم تغيّر تاريخ اليمن، لكنها قالت له بطريقتها إن البيت ليس ثكنة.
وفي ذاكرة العائلة «سنة مفضّل». يومها ذهب مفضّل، صهر الإمام وعامله على التربة إلى قدس، وذهب معه جدي لأمي شايف شرف، شيخ بني يوسف، وانتهت الحكاية بمأساة بقي اسمها في الذاكرة.
الإمامة، في ذاكرة الناس، لم تكن أسماء أئمة تُحفظ للامتحان؛ كانت بندقية عند الباب، وطعاماً يقلّ على المائدة، وسنة يسمّيها الناس باسم رجل لم يعد كما ذهب.
بعد سنوات، وجدت في مكتبة صغيرة قرب مدرستي في حي المربع بالرياض كتاب «رياح التغيير في اليمن» لأحمد محمد الشامي، وقرأته في ثلاثة أيام.
وعرفت أن الشامي كان من رموز ثورة الدستور عام 1948 ضد الإمام يحيى، قبل أن يصبح من خصوم ثورة سبتمبر. وهنا تتعب البوصلة اليمنية: رجل يثور على إمام، ثم يعادي ثورة أسقطت الإمامة. في اليمن، لا يكفي أن تسأل الرجل: هل كنت ثورياً؟ الأفضل أن تسأله: في أي سنة؟
كبرت وصار لي أولاد. فتحت كتبهم المدرسية بحثاً عن اليمن الذي عرفته من حكايات جدتي، فلم أجده. وجدت أسماءً مصطفة كما تصطف الصور في ممرات الدوائر الحكومية: لا تتكلم ولا تترك وراءها سؤالاً.
المنهج لا يكره سبتمبر، لكنه يحبها حباً رسمياً: علم، نشيد، صورة، وواجب منزلي. أما المحلوي والزبيري وعلي عبدالمغني، فيمرون على الطفل كضيوف في حفل مدرسي؛ يسلّم عليهم، ثم لا يعرف أين ذهبوا.
ولم تكن المشكلة في المدرسة وحدها. عام 2000، حين أعدت نشر «الرهينة» لزيد مطيع دماج في صحيفة «الثقافية»، ثارت منابر الإمامة في صنعاء، وخرجت «البلاغ» ببيان ناري ضدي وضد الصحيفة. كانت رواية لا بندقية، لكن بعض الناس يعرفون أن الكتاب قد يزعج أكثر من الرصاص. يومها حسبتها معركة صحافية عابرة، ثم بدت لي بعد سنوات بروفة مبكرة: قبل أن يخرج الحوثيون بالسلاح، كان هناك من يريد أن يختار لليمنيين ماذا يقرأون عن تاريخهم، ومن يكون البطل فيه، ومن يبقى رهينة.
محمد عبدالله المحلوي كان يمكن أن يكون الحلقة الأولى. ابن أسرة تصنع الحلوى في صنعاء، فاختار أن يصنع وعياً. اعتقله الإمام يحيى مع رفاقه، وأُخرج من السجن مريضاً، ثم مات عام 1936. وفي بلد آخر، تبدأ حكايته من السوق وتنتهي عند باب زنزانة. عندنا، يحتاج القارئ إلى صدفة كي يعرف اسمه.
وفي جهة أخرى من الحكاية، اقترب عبدالوهاب نعمان من الإمامة، ثم رأى ما فعلته في الحجرية والمقاطرة فانقلب عليها. دخل بيت علي الوزير، فرأى سجاجيد وتحفاً من بقايا ما نُهب من داره في تربة ذبحان؛ رجل يرى ذاكرة بيته موزعة في بيت خصمه، ثم ينتهي إلى الإعدام بعد فشل ثورة 1948.
ولم نبدأ من الصفر. سبقنا المصريون عام 1966 بفيلم «ثورة اليمن»، فالتقطوا وجوه الناس وطرقاتهم، وعرفوا أن في هذا البلد قصة تستحق الشاشة. ثم جاء مسلسل «الفجر» عام 1983، ودخل إلى ظلام الإمامة، فرسم الفقر والقهر والجهل والمرض، ومهّد الطريق إلى سبتمبر. لكنه بقي مصباحاً وحيداً في شارع طويل؛ فيلم عابر ومسلسل يتيم، فيما بقيت الحكاية بلا ورثة.
الحوثيون فهموا ما لم نفهمه: الطفل لا يتذكر الخطبة، بل الحكاية. أعطوا أطفالهم بطلاً يتكرر، ورسماً متحركاً، وحلقات تعود كل يوم. ونحن أعطينا طفل سبتمبر علماً صغيراً، ثم تركناه يسأل وحده: لماذا أحمله؟
الرواية التي تُعرض كل ليلة، ولو كانت ملفقة، أخطر من الحقيقة التي تنام في درج وزارة. ثورة سبتمبر لا تحتاج خطيباً؛ الخطباء كثيرون. تحتاج كاتباً يعرف أن التاريخ ليس نشيداً، ومخرجاً يعرف أن الجبل ليس ديكوراً، ومنتجاً يوقّع شيكاً بدلاً من بيان.

فالتاريخ الذي لا نرويه لأطفالنا، سيأتي غيرنا ليرويه لهم. وعادةً، من يملك الكاميرا لا ينسى أن يختار البطل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال