​باب المندب، جسر الحوثيين وإيران لابتلاع إفريقيا وخنق المحيط الهندي:


​طوال عقود، نظر الغرب إلى مضيق باب المندب بعين التاجر، مجرد ممر مائي "رأسي" تعبر منه براميل النفط وحاويات البضائع. لكن بينما كان العالم يحصي السفن العابرة، كان الحوثيون ومن خلفهم طهران يقرأون الخريطة بالعرض، بطريقة "أفقية" مرعبة. لم تكن المعركة الأخيرة وتمدد الحوثيين نحو السواحل الغربية لليمن مجرد محاولة لإغلاق مضيق، بل كانت عملية اقتحام استراتيجية لتأسيس جسر يعبر بهم إلى قارة بأكملها، وينطلق منه طموح يتجاوز البحر الأحمر ليصل إلى تخوم إفريقيا وعمق المحيط الهندي.
​
​لقد كان من المستغرب للمراقبين إصرار الحوثيين على تحمل تكلفة سياسية وبشرية باهظة للتمدد نحو باب المندب والساحل الغربي.

 فإذا كان الهدف هو مجرد تعطيل الملاحة، فإن ترسانتهم من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة كانت قادرة على إنجاز المهمة من الجبال التي يسيطرون عليها في حجة أو الحديدة أو البيضاء. والدليل الأوضح هو أنهم أوقفوا فعلياً استهداف خطوط التجارة ليركزوا عملياتهم ضد السعودية وملاحقتها في جهات لا تتطلب هذه السيطرة المكلفة.

 إن الدفع بعشرات الآلاف من المقاتلين نحو الساحل يكشف أن الوجهة الجغرافية ليست هي الهدف النهائي، بل هي نقطة انطلاق.

​يعمل هذا التحرك ضمن سياق دولي أوسع، حيث تخوض القوى الكبرى معركة "عض أصابع" بين محور شرقي تقوده روسيا والصين، ومحور غربي تتزعمه الولايات المتحدة. 

وفي ظل التناقضات العالمية من أوكرانيا إلى تايوان، أصبح الإيرانيون والحوثيون أدوات حيوية تستقطب الرغبات الصينية والروسية في المنطقة الوسطى من العالم. ومع تزايد حالات طرد القوات الغربية (الفرنسية والأمريكية) من دول الساحل الإفريقي كالنيجر ومالي، نشأ فراغ أمني وجيوسياسي هائل. هنا، برز الحوثيون كمرشح مثالي للعب دور "إيران الجديدة" في المنطقة، ومؤهلين أكثر من طهران نفسها لاختراق هذا الفراغ الإفريقي، مدعومين بتسهيلات استخباراتية وتسليحية من قوى كبرى ترغب في تقليم أظافر الغرب.

​​لاختراق هذه الجغرافيا، لم يعد الحوثيون بحاجة إلى أساطيل بحرية ضخمة. فمن خلال تكنولوجيا الحرب غير المتماثلة، الزوارق المفخخة والألغام البحرية، أصبح بإمكانهم تهديد أعتى القوى. تترافق هذه القوة الخشنة مع "غطاء لوجستي ناعم" يُنسج على الضفة الأخرى من البحر الأحمر؛ حيث يستغلون حالة الفقر والاضطراب الأمني في القرن الإفريقي لبناء شبكات تهريب وتجنيد. من إحياء العلاقات مع القراصنة الصوماليين، إلى استقطاب المقاتلين من أقاليم العفر، وصولاً إلى استغلال المهاجرين وإعادتهم كخلايا نائمة، يبني الحوثيون شراكات أمنية وعسكرية تتغذى على عقود من الاستثمار الإيراني في نشر الأيديولوجيا داخل إفريقيا، مقدمين أنفسهم كنموذج لمواجهة "الإمبريالية"، وهي فكرة تجد سوقاً رائجة في بيئة إفريقية مضطربة.

​هذا التمدد يحقق استراتيجية "طوق الخنق المزدوج". فكما تتحكم إيران في مضيق هرمز، يسعى الحوثيون لماكاة هذا النفوذ في باب المندب، ليصبحوا قادرين على الضغط على الدول المقابلة ومحاصرة شبه الجزيرة العربية بحرياً.

 لكن الخطر الأكبر يتمثل في ثلاثة أهداف أبعد: أولاً، تهديد طريق "رأس الرجاء الصالح"، الذي طالما كان الخيار الآمن والبديل للتجارة العالمية بعيداً عن الابتزاز الإيراني. ثانياً، ضرب المصالح والقواعد الغربية داخل إفريقيا. وثالثاً، الاقتراب من تهديد نقاط الارتكاز العسكرية الاستراتيجية للغرب في المحيط الهندي، وفي مقدمتها قاعدة جزيرة "دييغو غارسيا"، التي تمثل حاملة طائرات ثابته تقض مضاجع المحور الشرقي. 

وإذا كان العالم قد ارتعب من وصولهم إلى الساحل الغربي، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن: ماذا لو وصل هذا التمدد إلى جزيرة سقطرى على سبيل المثال؟

​لم تعد هذه القراءة ضرباً من التنجيم، بل هي انعكاس لواقع تدعمه حوادث الأمس ووقائع اليوم بالإضافة إلى معلومات متقاطعة عن نقاشات عميقة جرت بين قيادات حوثية والحرس الثوري الإيراني بإشراف مباشر من أعلى مستويات الأمن القومي في طهران على رأسها علي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني قبل مقتله. في حروب اليوم، ما كان يُعتبر البارحة مستحيلاً. في حروب اليوم، ما كان يُعتبر البارحة مستحيلاً، أصبح اليوم حقيقة دامغة. 

ويبقى التحدي قائماً: هل ستنتبه العواصم الغربية لهذا التمدد الأفقي الذي يبتلع الجغرافيا خطوة بخطوة، أم ستبقى حبيسة حساباتها القديمة ومراقبة النفط العابر، بينما يُسحب البساط الاستراتيجي من تحت أقدامها كل يوم؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال