عندما دخل الحوثيون صنعاء في عام 2014، لم يكونوا قوة حاسمة، ولا مشروعًا مكتملًا للسيطرة على دولة. ما جرى آنذاك كان نتيجة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة، أكثر مما كان تعبيرًا عن تفوق عسكري أو سياسي استثنائي. لم يكن ذلك سقوطًا لليمن بقدر ما كان كشفًا لهشاشته.
لاحقًا، تغيّر توصيف الحوثي في الخطاب السياسي. لم يعد انقلابًا يمكن احتواؤه ضمن مسار استعادة الدولة، بل تحوّل إلى عقدة دائمة، وسبب جاهز لتفسير كل تعثّر. ومع مرور الوقت، اتّسع الدور المنسوب إليه في التحليل السياسي أكثر مما اتّسع حضوره الفعلي، حتى بدا وكأنه أكبر من حجمه، وأبعد أثرًا مما كان عليه عند ظهوره.
في عام 2015، كان الهدف المعلن واضحًا: تنفيذ قرار مجلس الأمن 2216، استعادة الدولة، واحتكار السلاح بيدها. بعد عقد من الزمن، لم يتحقق هذا الهدف. غير أن الإخفاق لم يُقابل بمراجعة جادة، بل جرى تجاوز السؤال الأساسي، والانتقال إلى نقاش أقل كلفة: القبول بالأمر الواقع، أو التعايش مع بقاء الانقلاب، بل والبناء السياسي فوقه.
هنا بدأ التحول الأوضح. الجنوب، الخارج عن سيطرة الحوثي، قُدِّم بوصفه «محررًا»، فيما جرى التعامل مع بقية البلاد كوحدة واحدة، رغم اختلاف الوقائع وتعقيد المشهد. ومع هذا التصنيف، صار يُطلب من الآخرين أن «يحرروا مناطقهم أولًا»، وكأن الانقلاب تحوّل من أزمة وطنية جامعة إلى معيار سياسي لتحديد الشرعية.
وفي هذا المسار، لم يعد الحديث عن فك الارتباط أو انفصال الجنوب مجرّد شعار سياسي، بل نتيجة منطقية لمسار طويل جرى فيه التعامل مع الانقلاب كأمر واقع، ومع الدولة كمفهوم قابل للتجزئة. فحين يُقدَّم جزء من البلاد بوصفه محررًا وقابلًا للإدارة، ويُترك الجزء الآخر أسير توصيف دائم بالعجز والانقلاب، يصبح الانفصال، في نظر كثيرين، مخرجًا عمليًا لا موقفًا أيديولوجيًا.
ومع الوقت، امتدت هذه المقاربة إلى مؤسسات الدولة نفسها. أصبح وجود الرئيس والحكومة، أو انعقاد مجلس النواب، محل تشكيك واعتراض، بحجة أن الانقلاب ما زال قائمًا. هكذا لم يعد الانقلاب سببًا لاستعادة الدولة، بل مبررًا لتقييد حضورها، وتأجيل أدوارها، وإعادة تعريف شرعيتها.
اليمن لم يفشل لأن الحوثي كان أقوى من الدولة، بل لأن التعامل مع وجوده أصبح أسهل من مواجهة استحقاق استعادتها.
فالعجز المحلي، والواقعية الإقليمية، والتواطؤ الدولي بالصمت، وتقاطع مقاربات دولية ترى في تفكك الكيانات الهشّة إدارةً أسهل من قيام دول متماسكة، تلاقت جميعها لتحويل الانقلاب من أزمة مؤقتة إلى واقع سياسي مستدام.
وحين تتحول المشكلة إلى واقع دائم، يتراجع الإصرار على الحل.
التصنيف :
كتابات واراء