عسكرة العمل الإنساني.. كيف يوظف الحوثيون تقنيات الأمم المتحدة في صراعهم الأمني؟


على وقع استيلاء الحوثيين على منظومات اتصالات أممية، تتصاعد مخاوف أمنية من انزلاق هذا التحرك إلى ما هو أبعد من التضييق على العمل الإنساني.

وتتمثل هذه المخاوف في تمكين الميليشيا من تقنيات متقدمة يمكن إعادة توظيفها عسكريا وأمنيا، في لحظة إقليمية تتسم بحساسية بالغة وتشابك غير مسبوق في مسارات التصعيد.

وفي تصعيد لافت، اقتحمت ميليشيا الحوثي، الخميس الماضي، ستة مكاتب تابعة للأمم المتحدة وخالية من الموظفين في العاصمة صنعاء، وصادرت تجهيزات اتصالات ولوجستيات تقنية، قبل نقلها إلى مواقع مجهولة، دون أي مسوغات قانونية أو توضيحات تبرر هذا الإجراء.

وقال المنسق المقيم للأمم المتحدة، منسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، إن هذه المعدات تم إدخالها إلى اليمن “وفق الإجراءات المعمول بها محليا، بعد الحصول على التصاريح اللازمة”.

وأكد أنها تشكّل جزءا من الحدّ الأدنى من البنية التحتية الضرورية لتمكين الأمم المتحدة من تنفيذ برامجها.

وتأتي هذه الخطوة وسط اختطاف الميليشيا عشرات من الموظفين اليمنيين لدى المنظمات الأممية والدولية، وتزايد قيودها على الأنشطة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ووجهت الميليشيا اتهامات للمنظمات بتشكيل “خلايا تجسس” مكّنت الولايات المتحدة وإسرائيل من استهداف اجتماع حكومة الحوثيين بصنعاء، أواخر أغسطس/ آب المنصرم.

ومنذ سيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن في 2014، دأب الحوثيون على توظيف خطاب “مكافحة التجسس” لتبرير إجراءات قمعية استهدفت الخصوم السياسيين والصحفيين والمجتمع المدني.

واتخذت هذه السردية في الآونة الأخيرة طابعا أكثر تشددا، مع تحوّلها إلى أداة لإعادة هندسة المجال الأمني والمعلوماتي في مناطق سيطرة الجماعة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بتهديد الملاحة في البحر الأحمر.

وعلى ضوء السوابق الموثّقة للميليشيا في استغلال التقنيات المتقدمة التي تقع في متناولها، يتعاظم قلق الخبراء من حصول الحوثيين على منظومات اتصال وأدوات تنسيق لوجستي وتقنيات مشفّرة، ما قد يفتح المجال أمام إعادة استخدامها في تعزيز القدرات العسكرية أو الأمنية، عبر مسارات هندسية أو استخدامات مزدوجة.

ويرى محلل الشؤون الأمنية، عاصم المجاهد، أن سيطرة الحوثيين على معدات وأنظمة اتصالات أممية، بعد سلسلة من المداهمات لمقارّ المنظمات الدولية واختطاف العاملين فيها، يؤشر بوضوح إلى أن الجماعة كانت تبحث عن شيء محدد، لا سيما بعد العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضدها.

وذكر المجاهد أن هذه العملية تأتي في وقت بالغ الحساسية سياسيا وأمنيا، تزامنا مع تصاعد التوترات الأمريكية الإيرانية، في لحظة “يُعاد فيها تعريف أدوار الوكلاء في الإقليم”.

وقال: في مثل هذه المراحل تسعى الجماعات المسلحة إلى امتلاك أدوات رصد واتصال أكثر تطورا وبأقل كلفة ممكنة، وإلى إغلاق أي ثغرة تعتقد أنها تُستخدم للتجسس عليها.

وأضاف أن الحوثيين باتوا يتصرفون ككيان أمني مغلق، يرى في كل بنية اتصال مستقلة تهديدا محتملا، وبالتالي تصبح السيطرة على تدفق المعلومات بالنسبة لهم أولوية قصوى لا تقبل التساهل.

 

وأوضح المجاهد أن غالبية أنظمة الاتصالات الأممية تعتمد على بروتوكولات مشفّرة وتقنيات لإدارة بيانات حسّاسة، حتى وإن كانت مصممة لأغراض مدنية، إلا أن السيطرة عليها تفتح بابا واسعا لفهم أنماط الاتصال، أو محاولة تنفيذ عمليات هندسة عكسية، أو في الحدّ الأدنى سدّ فجوة تقنية يعاني منها الحوثيون في إدارة الاتصالات الآمنة داخل مناطق سيطرتهم.

وأشار إلى أن الجماعة تستعد لمرحلة أكثر احتكاكا بالبيئة الدولية، سواء عبر البحر الأحمر، أم من خلال توسيع هامش التصعيد الإقليمي ومساندة إيران، “وقد عبّرت عن ذلك صراحة”.

وبيّن أن المخاطر لا تتوقف عند احتمال استخدام هذه التكنولوجيا في الصراع المسلح فحسب، بل إن الأخطر هو توظيفها في المراقبة الداخلية وتتبع العاملين في المنظمات والتحكّم بالمجال الإنساني نفسه.

وقال إن هذا “يجعلنا أمام مسار واسع يسعى فيه الحوثيون إلى إحكام السيطرة على كل ما يتصل بالمعلومة والاتصال، تمهيدا لمحطة قد تكون أكثر صداما وأقل قابلية للتسويات”.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال