مليشيات الحوثي وفرض حصار الجو على المواطنيين. منور عقلان


ليست كلّ الجرائم متساوية في قسوتها، وإن تشابهت في ظاهرها. فالموت، على فداحته، فعل واحد مكتمل، ينتهي عند آخر شهقة، وتُطوى صفحته في سجل الدم. أما أن تُترك الحياة قائمة، ثم يُنتزع منها كل ما يجعلها حياة، فذلك ضرب آخر من الشر، أعمق غورًا، وأطول أثرًا، وأكثر قدرة على إذلال الإنسان؛ حين يغدو حيًّا بجسده، ميتًا في حياته.

وهذا، دون مبالغة، هو حال كثير من المدن اليمنية، وفي مقدمتها تعز والحديدة، منذ أكثر من أحد عشر عامًا، تحت حصار مليشيات الحوثي باعتباره أسلوب حكم، ومذهب إذلال، وعقيدة انتقام.

في منطق الحروب، يمكن تفسير كثير من الجرائم بوصفها نتائج جانبية للصراع، تفسيرًا لا تبريرًا. غير أن حصار مدن كاملة لسنوات طويلة، مع سبق الإصرار، ومع إدراك كامل لنتائجه الإنسانية والاقتصادية والنفسية، لا يمكن فهمه إلا باعتباره فعل كراهية خالص، ورغبة واعية في تحطيم الكرامة الجمعية، وانتقامًا طويل الأمد من مجتمعات لم تنحنِ. هنا لا نتحدث عن حرب، بل عن شهوة إذلال؛ عن لذة مرضية في رؤية الناس وهم يشيخون على الطرق الوعرة، ويمرضون عند الحواجز، ويموتون وهم يبحثون عن منفذ للحياة.

لقد حوّلت مليشيات الحوثي كثيرًا من المدن اليمنية إلى سجون مفتوحة، بلا قضبان مرئية، لكن بقيود أثقل من الحديد. ترسم فيها خطوط السير، وتُحدد فرص الحياة، وتدار أنفاس الناس وفق مزاج سلالي متعجرف، لا يرى في البشر سوى رعايا مؤقتين للنهب والسيطرة.

هذه المليشيات لا تريد فقط أن تحكم الناس بالقوة؛ بل تسعى إلى إعادة تشكيلهم. أن تجعلهم أقل قدرة على الاختيار والحركة، والحلم. وإن لم تستطع انتزاع أرواحهم، سعت إلى تعطيل حياتهم. وإن عجزت عن مصادرة وجودهم، صادرت شروط هذا الوجود. فالطريق عندها سلاح، والهواء أداة ضغط، والوقت وسيلة إذلال. هكذا تدار السلطة حين تنفصل عن الأخلاق، وتتحول إلى ممارسة عقابية عارية.

مليشيات الحوثي لا تعترف بالهزيمة، ولا تؤمن بوجود حد أخلاقي تتوقف عنده. إن خسرت المدينة، تمسكت بمداخلها. وإن فشلت في حكم الناس، تمسكت بخنقهم. في تعز والحديدة، تحولت المداخل إلى مصادر ابتزاز، والمصانع إلى غنائم، والضرائب إلى دمٍ يُسحب ببطء من جسد المدن، ليصبّ في جيوب سلالة متطفلة لا تنتج شيئًا سوى الخراب. 

ولأن هذه المليشيات لا تعرف الشبع، انتقلت اليوم من البرّ إلى الجو. منع هبوط الطيران في مطار المخا الدولي ليس حادثة طارئة، ولا خلافًا تقنيًا، ولا استعراض قوة؛ بل فصل جديد من فصول الحصار الطويل، وعدوان صريح على فكرة التخفيف ذاتها، وعلى حق الناس في أن يتنفسوا خارج قفص الإذلال الكهنوتي.

المطار ليس مدرجًا للطائرات فحسب؛ إنه وعدٌ بالحياة، واختصار لطريق الموت، وكسر لاحتكار المليشيات لحركة الناس، وإنهاء لسنوات من الإذلال على الطرق الجبلية والممرات المميتة. المطار إعلان غير مباشر بأن االإنسان قادر على العيش دون إذن جلاده. ولهذا كان لا بدّ من إغلاقه. هذه المليشيات التي تبني سلطتها على تعطيل الحياة، لا يمكنها أن تسمح بنافذة تفتح دون إذنها. وكما أغلقت الطرق حين عجزت عن اقتحام المدن، تحاول اليوم إغلاق السماء.

هذه المليشيات ترى في تنفّس المدن تهديدًا، وفي حركة الناس جريمة، وفي تخفيف معاناتهم خسارة. لذلك لا تستطيع التعايش مع بشرٍ أحياء خارج هيمنتها، ولا تحتمل فكرة أن ينجو الناس من قبضتها، ولو جزئيًا.

لكن ما لا تدركه هذه المليشيات، وما تتجاهله عن عمد، أن التاريخ لا ينسى، وأن المدن، مهما طال حصارها، لا تُروّض إلى الأبد. وأن الحياة، حين تُحاصَر، لا تموت، بل تتعلم كيف تنقضّ على جلاديها حين تحين اللحظة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال