الدكتور مفيد شهاب: رحيل موجع لقامة قانونية عربية د. طه حسين الهمداني


ودّعت مصر والعالم العربي، بمزيج من الحزن والاعتزاز، واحدًا من أعلام القانون والفكر والإدارة العامة، الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، رئيس جامعة القاهرة ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، الذي شكّل رحيله خسارة كبيرة للوسطين الأكاديمي والقانوني، وللفكر العربي الرصين.

لم يكن الدكتور شهاب مجرد أستاذ جامعي مرموق، بل كان مدرسة متكاملة في القانون الدولي، جمع بين عمق المعرفة ودقة التحليل وسعة الأفق. في جامعة القاهرة، قاد دفتها بحكمة وطموح بلا حدود، فرسخ تقاليد أكاديمية رصينة، وعمل على تخريج أجيال من القانونيين الذين حملوا رسالته العلمية إلى مختلف ميادين العمل العام.

اتسمت مسيرته العلمية بالانضباط والجدية والالتزام بقيم البحث العلمي الرصين، مما جعله مرجعًا موثوقًا في قضايا القانون الدولي والعلاقات الدولية. وعلى الصعيد الوطني، اضطلع الفقيد بمسؤوليات رفيعة، فكان نموذجًا للمسؤول العالم الذي يجمع بين الكفاءة العلمية والحكمة الإدارية ونبل الخلق. لم ينفصل أداؤه في العمل العام عن خلفيته الأكاديمية، بل ظل القانون عنده مرجعية ومنهجًا، مؤمنًا بأن الاحتكام إلى الشرعية الدولية وسيادة القانون هو الطريق الأمثل لصون الحقوق وتحقيق الاستقرار.

كان الدكتور شهاب مهندس استرجاع طابا، كما أسهم بدور قانوني مرموق في عدد من القضايا الوطنية والقومية، ومن أبرزها ملف جزيرة حنيش، حيث عُرف بدقته المهنية وحرصه على تثبيت الحق بالحجة القانونية والطرح المتزن. مثّل في هذا الملف نموذج العالم الذي يضع خبرته في خدمة قضايا أمته، بعيدًا عن الانفعال وقريبًا من منطق القانون وروحه.

وعُرف الدكتور شهاب بحرصه الدائم على تعزيز أواصر الأخوة والتعاون بين مصر واليمن، مؤمنًا بوحدة المصير العربي وعمق الروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين. 

جسّد في مواقفه ومشاركاته الرسمية روح الأخوّة الصادقة، وسعى إلى توطيد جسور التواصل العلمي والثقافي بين البلدين.

إن رحيل هذه القامة العلمية السامقة يترك فراغًا في ساحة القانون والفكر، غير أن إرثه العلمي سيبقى شاهدًا على عطائه، وستظل مؤلفاته وتلامذته ومسيرته العملية مصدر إلهام للأجيال القادمة.

رحم الله الدكتور مفيد شهاب رحمة واسعة، وجزاه عن علمه ووطنه وأمته خير الجزاء، وألهم أهله وذويه وتلامذته ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال