تبرز الصين كلاعب خارجي مهم في اليمن، مؤثرةً في كل من الديناميكيات الداخلية للبلاد والمشهد الإقليمي الأوسع؛ وعلى الرغم من موقفها الرسمي الداعي إلى السلام وعدم التدخل، تشير تقارير استخباراتية وتحليلات جيوسياسية متزايدة إلى أن بكين تقدم دعمًا غير مباشر لجماعة الحوثيين عبر وسطاء مثل إيران.
هذا الدعم، الذي يشمل تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام كمكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة وصور الأقمار الصناعية، لم يعزز القدرات العسكرية للحوثيين فحسب، بل عمّق أيضًا اختلال التوازن بين الجماعة وخصومها في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
أدلة متزايدة على الدعم المادي من الصين
ظلت علاقة الحوثيين بالقوى الدولية محل نقاش واسع منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014. بداية، اتجهت الأنظار نحو إيران بحكم الدعم العسكري والأيديولوجي واللوجستي الواضح الذي قدمته للحوثيين؛ ولكن منذ بدء هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، ركزت الاستخبارات الأمريكية والغربية بشكل متزايد على الدعم السري من الصين.
يرى العديد من المحللين أن بكين تستغل التوترات في البحر الأحمر والمنطقة لتعزيز نفوذها وتقويض نفوذ الولايات المتحدة، وتلعب دورًا متزايدًا في تعزيز المجهود الحربي للحوثيين.
رداً على ذلك، فرضت واشنطن سلسلة من العقوبات على شركات صينية لاتهامها بتزويد الحوثيين بتكنولوجيا تسليح متطورة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية والمكونات الإلكترونية للطائرات المسيّرة والصواريخ. أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل (2025) عن عقوبات ضد شركة “تشانغ غوانغ” لتكنولوجيا الأقمار الصناعية (Chang Guang Satellite Technology Co) الصينية، متهمة إياها بتزويد الحوثيين بخدمات فضائية حساسة تُستخدم لاستهداف السفن الدولية في البحر الأحمر.
خلال العامين الماضيين، تزايدت بلا شك التهديدات التي تشكلها هجمات الطائرات المسيّرة الحوثية، حيث لعب الدعم الصيني دورًا معتبرًا في تطوير الترسانة العسكرية للحوثيين. تعتمد طائرات الجماعة المسيّرة على مكونات صينية، لا سيما المراوح ووحدات التحكم.
في مارس (2025)، ضبطت سلطات الجمارك الحكومية شحنة تضم 800 مروحة لطائرات مسيرة صينية الصنع كانت في طريقها إلى الحوثيين، وفي أغسطس، اعترضت سلطات مكافحة الإرهاب في عدن أطقم طائرات مسيّرة على متن سفينة تجارية قادمة من الصين.
تتمثل التهمة الأكثر خطورة في أن الحوثيين يحصلون على صور أقمار صناعية عالية الدقة من شركات صينية لتحديد وتتبع مواقع السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، مما يسهّل شن هجمات موجهة ضدها، كما أكدت تقارير متعددة أن الصين تُسهّل وصول الحوثيين إلى مكونات متطورة لأنظمة توجيه الصواريخ عبر وسطاء إيرانيين وشبكات تهريب معقدة. هذه الأدلة مجتمعة تشير إلى أن الدعم الصيني، حتى وإن كان غير مباشر في المقام الأول، ساعد الحوثيين على الانتقال من الاعتماد على الأسلحة التقليدية أو الإيرانية إلى مرحلة أكثر تقدمًا تعتمد على التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام.
نهج براغماتي
رداً على الانتقادات المتزايدة، نفت بكين علنًا ارتكاب أية مخالفات، وواصلت الترويج لسردية الحياد في الصراع اليمني. يعارض الخط الرسمي لوزارة الخارجية الصينية باستمرار التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويدعو جميع الأطراف في اليمن إلى الانخراط في “حوار سياسي شامل“. على المستوى المُعلن على الأقل، تقف بكين بحزم مع المجتمع الدولي في الحفاظ على الاستقرار في البحر الأحمر، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارتها العالمية؛ لكن السياسة الواقعية التي تمارسها الصين عمليًا خلف هذا الخطاب؛ فالدعم الذي يصل إلى الحوثيين عبر شركات صينية خاصة وشبكات تهريب يجسد النهج البراغماتي الذي ترتكز عليه استراتيجية بكين الأوسع في الشرق الأوسط.
في اليمن، وظفت الصين نهجًا مزدوجًا: الأول يعظم المصالح الاقتصادية والأمنية. يشكل البحر الأحمر وخليج عدن ممرًا استراتيجيًا لخطوط التجارة الصينية ضمن مبادرة “الحزام والطريق” الخاصة بها، وأي اضطراب في هذه الممرات قد يكون له تأثير مباشر على الاقتصاد الصيني، لكن دعم الحوثيين – أو على الأقل غض الطرف عن نقل التكنولوجيا – يمنح الصين أيضًا وسيلة غير مباشرة للضغط على الغرب؛
ويضمن النهج الثاني للصين “الإنكار المعقول”؛ حيث تسمح الصين للشركات الخاصة أو الواجهات التجارية بالعمل في هذا المجال – وهي استراتيجية تمكّن الحكومة من الحفاظ على سردية رسمية تنفي أي تورط في الصراع اليمني، وبالتالي تجنب تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة أو حلفائها الخليجيين.
هذا يفسر أيضًا لماذا لم تشر العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات صينية، مثل “تشانغ غوانغ” لتكنولوجيا الأقمار الصناعية (Chang Guang Satellite Technology Co) أو “هوبي تشيكا” الصناعية (Hubei Chica Industrial Co. Ltd)، بشكل مباشر إلى الحكومة الصينية.
لقد استفادت الصين بوضوح من عملية التوازن هذه؛ فالسفن الصينية غالبًا ما تُستثنى من استهداف الحوثيين في البحر الأحمر، بينما توجه الهجمات بشكل رئيسي إلى السفن الغربية. هذا الاستثناء غير المعلن يعزز فرضية وجود تفاهمات ضمنية، سواء كانت مباشرة أو عبر وسطاء، بين الحوثيين وبكين.
إيران والصين: تلاقي المصالح
بينما تعمل الصين بشكل متزايد كمزود تقني للحوثيين، تقوم إيران بدور الوسيط اللوجستي والسياسي لحليفها اليمني. لسنوات، كان يُنظر إلى طهران على أنها الداعم الأساسي للجماعة من حيث التدريب والأسلحة التقليدية؛ لكن مع دخول مكونات الأسلحة الصينية المتطورة على الخط، أصبح الدور الإيراني أكثر تعقيدًا.
تشير تقارير استخباراتية إلى أن الشحنات الصينية تصل أولاً إلى الموانئ الإيرانية، مثل بندر عباس، قبل إعادة شحنها إلى الحوثيين بحرًا أو عبر طرق برية تمر عبر سلطنة عمان. في يناير 2025، نقلت سفينتان إيرانيتان أكثر من ألف طن من بيركلورات الصوديوم من الصين إلى إيران — وهي مادة أساسية في تصنيع وقود الصواريخ الصلب. أُعيد توجيه جزء من هذه الكمية لاحقًا إلى الحوثيين.
تلعب إيران دورًا سياسيًا في توفير الغطاء للوجود الصيني غير المباشر في اليمن؛ فبينما تتحمل طهران معظم الانتقادات الدولية لدعمها الحوثيين، تعمل الصين في الظل. يكشف هذا الترتيب عن تقسيم واضح للعمل: توفر إيران الأسلحة والخدمات اللوجستية والدعم المباشر؛ بينما تقدم الصين التكنولوجيا التي تعزز دقة وفعالية تلك الأسلحة.
يبرز هذا التعاون غير المباشر تداخلًا واضحًا في المصالح. تسعى إيران إلى توسيع نفوذها في اليمن باستخدام الحوثيين لممارسة ضغط على المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. بالمقابل، تستفيد الصين من استمرار وجود الحوثيين، حيث يشكلون تهديدًا للنفوذ الغربي ويعطلون حركة الملاحة، وكل ذلك دون أن تدفع بكين ثمنًا سياسيًا مباشرًا.
إعادة تشكيل قدرات الحوثيين
لقد زودت المساعدات الصينية الحوثيين بـ”العيون” و”العضلات” اللازمة لتسريع قراراتهم القتالية وجعلها أكثر دقة، مما قلل من اعتمادهم على الوسطاء الخارجيين. ساعدت هذه القفزة النوعية في تحول الحوثيين من مجرد جماعة مسلحة في نزاع أهلي إلى فاعل قادر على نشر التهديدات عبر المنطقة.
من المرجح أن يكون لنتائج هذه التطورات تأثير كبير على الديناميكيات المحلية في اليمن، وهو ما سيتضح جليًا في أي معركة مستقبلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا. قبل العام 2023، كانت السمة المميزة لقدرات الحوثيين هي اعتمادهم على أسلحة الدولة التي استولوا عليها من المخازن الحكومية والدعم الإيراني التقليدي، الذي اتسم بأسلحة قياسية وصواريخ منخفضة الدقة نسبيًا ودعم تقني وتدريبي محدود؛ إلا أن وصول الحوثيين إلى تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام — بما في ذلك قطع الطائرات المسيّرة، وأنظمة التوجيه، وبيانات الأقمار الصناعية — قد أثبت أنه “مغيّر استراتيجي” لقواعد اللعبة. يُظهر ضبط شحنة تضم 800 مروحة طائرات مسيّرة أن الحوثيين يطورون “قدرة إنتاجية” تسمح لهم بنشر أسراب من الطائرات المسيّرة بشكل مستمر بدلًا من الاعتماد على عمليات عرضية متفرقة.
بشكل عام، لا تشكل هذه المكونات التقنية أجزاءً أساسية من تسليح الحوثيين فحسب، بل تُحدث تحولًا في آليات الحرب نفسها، حيث تنقلها من معارك تقليدية تعتمد على الكتائب الكبيرة والذخائر إلى حملات أكثر تطورًا تحركها المعلومات والاستخبارات الدقيقة، كما يتضح من هجماتهم ضد الشحن في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023. إن الوصول إلى صور الأقمار الصناعية أو بيانات تحديد المواقع الدقيقة — سواء عبر وسطاء تجاريين أو شركات خاصة — يقلل من التأخير في اتخاذ القرار. تسمح هذه الاستقلالية بالرصد الحيّ، وتحديث الأهداف بسرعة، وتنسيق ضربات الطائرات المسيّرة، مما يجعل الاستجابات الحكومية والدولية دائمًا متأخرة بخطوة.
يتيح الدعم الصيني -الذي غالبًا ما يكون مقنّعًا عبر شركات مدنية أو سلاسل توريد تجارية- أيضا نهجًا أكثر سرية، حيث تصل المكونات كبضائع مدنية، ويُعاد تغليفها وتمريرها عبر موانئ وسيطة قبل وصولها إلى ساحة المعركة. تعني هذه الآلية أن الضغط الدبلوماسي أو الضربات التقليدية غير فعالة، لأن ما يتم قصفه أو معاقبته ليس بالضرورة قاعدة عسكرية واضحة، بل مكتب شحن أو شركة تجارية متعددة الأذرع، والنتيجة هي استمرارية الإمداد عبر طرق بديلة، وإنتاج أسرع، وتعزيز مرونة الحوثيين وقدرتهم على الصمود.
تحولات القوة المحلية
على الأرض، رجحت هذه التطورات الجديدة كفة ميزان القوى بشكل حاسم بين الأطراف المتحاربة، وهو أمر لم يعد يعتمد الآن على عدد الصواريخ بقدر ما يعتمد على قدرة كل طرف على إنتاج معلومات استخباراتية فورية وتحويلها إلى ضربات متكررة ومنظمة. في حال استئناف الصراع المفتوح، تظل الأطراف المنضوية تحت مظلة الحكومة المعترف بها دوليًا في موقف ضعيف، حتى في حال تلقيها دعمًا جويًا وبحريًا خارجيًا، نظرًا لاعتمادها على معلومات استخباراتية من شركاء إقليميين يتسم التزامهم بالتقلب ويتطلب موافقات سياسية مطولة. بالمقابل، يعيد الحوثيون، المجهزون بتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، تعريف الاستقلالية العملياتية، حيث أصبحوا قادرين على المبادرة وكسب المعارك المستقبلية، مع خلق أزمات طويلة الأمد في الملاحة البحرية وفرض شروط تفاوضية جديدة دون الحاجة إلى شريك أكبر يملي عليهم مواقفهم.
البعد السياسي لهذا التباين حاسم؛ ففجوة القدرات التكنولوجية تترجم إلى ورقة تفاوضية فعالة. كلما طال أمد الأزمة البحرية وارتفعت تكاليف حماية الشحن، زاد احتمال لجوء القوى الدولية إلى حلول دبلوماسية مقبولة للحوثيين بدلاً من حل عسكري مكلف لصالح الحكومة اليمنية. بهذا المعنى، قد لا يترجم الدعم التكنولوجي فورًا إلى سيطرة إقليمية، لكنه يغير حسابات المخاطر والمكاسب لدى الفاعلين الدوليين، مانحًا الحوثيين مكاسب سياسية قد تترجم لاحقًا إلى اعتراف أو تنازلات لصالحهم، تاركًا الحكومة اليمنية في موقف المتفرج.
لماذا من المرجح أن تواصل الصين دعمها للحوثيين
يمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب شريانًا حيويًا للتجارة الصينية. مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن منذ أواخر 2023، ظهرت مؤشرات على وجود اتفاق ضمني بين الحوثيين والصين، يتم بموجبه استثناء السفن الصينية من الاستهداف، بينما تواجه السفن الغربية والإقليمية هجمات متكررة.
من منظور جيوسياسي، يُرجح أن يُنظر إلى الدعم الصيني غير المباشر للحوثيين كجزء من استراتيجية “حرب بالوكالة منخفضة التكلفة” ضد الولايات المتحدة؛ فكل هجوم يرفع تكلفة الدور الأمريكي في تأمين الممرات البحرية، كاشفًا عن حدود قدرة واشنطن على فرض الاستقرار. تتيح هذه الديناميكية لبكين اختبار تكتيكات ضغط جديدة دون الدخول في مواجهة مباشرة، خاصة مع تركيز الولايات المتحدة على منافستها مع الصين في شرق آسيا.
تحرص الصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج، على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الشركاء الخليجيين، بينما تستخدم إيران للعب دور وسيط مركزي في تمرير التكنولوجيا ومكونات الأسلحة الصينية إلى الحوثيين.
في عملية التوازن الدقيقة هذه، لا تنظر الصين إلى الحوثيين كحليف استراتيجي بقدر ما تراهم ورقة تفاوضية متعددة الوظائف لحماية التجارة وتأمين طرق مبادرة الحزام والطريق، وتقويض النفوذ الأمريكي في البحر الأحمر، واختبار فعالية التكنولوجيا المدنية كسلاح سياسي، والحفاظ على التوازن مع الخليج عبر استخدام إيران كوسيط.
بهذا النهج، يمكن لبكين ممارسة نفوذ عميق في الصراع اليمني دون تحمل العواقب الكاملة لدور مباشر. مع ذلك، فإن استمرار الدعم المباشر للحوثيين يهدد بتصاعد التوترات مع الخليج والولايات المتحدة، مما يقوض في نهاية المطاف البراغماتية ذاتها التي تميز نهجها في المنطقة.
التصنيف :
تقارير