المقاومة الوطنية: معركة مع الكهنوت لا صراع مع الأحزاب.منور عقلان


ظلوا يشعلون نار الاتهامات ليلا ونهارا ضد المقاومة الوطنية، يكررون الحكاية ذاتها، ويظنون أن تفاهتهم تصنع حقيقة، وأن التهمة إذا تكررت صارت حقيقية. 
حاولوا طويلا، خطبوا، كتبوا، صرخوا في المنابر، وصفقت لهم دوائرهم الضيقة، 
لكن الحقيقة بقيت واقفة في مكانها لا تتحرك: معركة المقاومة لم تكن يوما مع حزب، ولا مع جماعة.

معركتنا في المقاومة الوطنية مع مليشيات الحوثي التي خطفت الدولة. قالها القائد بوضوح يومها، بلا التواء ولا حيلة: الطريق إلى صنعاء، لا إلى خصومات صغيرة مع الأحزاب.

احتفل الاصلاح بالأمس في المخا، خرجوا إلى المدينة، رفعوا أصواتهم، وغادروا بلا مضايقة، بلا خوف، بلا تهديد.

هكذا يجب أن تكون المدن،  تتسع لأصوات مختلفة، ولا تضيق بخلاف سياسي. 
وهكذا بدت المخا، مفتوحة للجميع، لا تسأل الداخل إليها عن حزبه ولا عن رايته. 
مدينة تعرف أن السياسة لا تدار بالحواجز ولا بالتخوين، بل باتساع الصدر واحترام الاختلاف.

لكن السؤال الذي  ينبغي أن يطرحه الإصلاحي على نفسه: 
 هل يستطيع غير جماعة الإصلاح أن يفعل الشيء ذاته في مدينة تعز؟
هل يمكن للمكتب السياسي للمقاومة الوطنية أن يقيم نشاطه هناك دون أن تتدفق عليه سيول الاتهامات، 
ودون أن تبدأ طبول التحريض والتخوين بالعزف المعتاد؟
أم أن الحرية عندهم حق خاص، باب يفتح لهم وحدهم ويغلق في وجه الآخرين؟

يمكنك أن تجمع آلاف المؤيدين ليهتفوا لك، أن تملأ الساحات بالتصفيق، لكنك تعجز عن إقناعهم بفكرة واحدة إذا كانت تقوم على إقصاء الآخرين. 

السياسة ليست مسرحًا للغضب، ولا ميدانًا للفجور في الخصومة. السياسية اختبار دائم للقدرة على التعايش مع المختلف، وعلى إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى حرب، وقد نجحت المقاومة الوطنية في تجسيد هذا المبدأ.

لكن ما إن يظهر نشاط للمقاومة الوطنية، حتى ترتفع الأصوات ذاتها: اتهامات جاهزة، قصص تروى بلا دليل، وخيال سياسي يصنع معركة لا وجود لها. 

يقولون إن المقاومة الوطنية تحارب الإصلاح، وإنها تستهدف كل من ينتمي إليه، يكررون ذلك و يقاتلون في معركة متخيلة، يتوهمون فيها أنهم الحراس الوحيدون للدين والحقيقة.لكن الزمن لا ينتظر الأوهام.

المقاومة الوطنية لم تقم لتدخل في صراعات حزبية، ولم تحمل مشروعها لتصارع هذا الطرف أو ذاك. مشروعها أبسط وأوضح من كل هذا الضجيج: الجمهورية، الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي.

المقاومة الوطنية تتعامل مع الجميع بعقلية الدولة، التي ترى في التعدد السياسي أمرا طبيعيا، وتتعامل مع المختلفين معها باعتبارهم شركاء في الوطن لا أعداء يجب إقصاؤهم.
 هذه هي طبيعة أي مشروع وطني حقيقي يسعى إلى استعادة الدولة وبناء الجمهورية.

لكن المفارقة أن من يرفعون شعارات الدولة يمارسون في خطابهم وسلوكهم ما يشبه منطق الكهنوت السياسي؛
 منطق يخلط بين السياسة والوصاية الأخلاقية،
 ويمنح نفسه حق الحكم على الآخرين، بينما يغيب عنه أبسط تقاليد العمل السياسي القائم على احترام الخصوم.

الدول تبنى بعقلية الدولة، لا بعقلية الجماعة والجمعيات، وبالسياسة التي تتسع للجميع، لا بالسياسة التي تضيق حتى تختنق بأصحابها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال